داخل صيدلية خاصة غرب مدينة غزة، وقفت إحدى السيدات تحمل بيدها وصفة دوائية، وكلها أمل ألا يفاجئها الصيدلي بنبأ عدم توافر الدواء. لكن الرد جاء مخيباً للآمال، كما تكرر في صيدليات عدة زارتها هذه السيدة دون جدوى.
لم يعد نقص الأدوية في غزة مجرد أزمة صحية عابرة، بل تحوّل إلى تهديد يومي لحياة آلاف المرضى، في ظل القيود المشددة على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، واستمرار استنزاف المخزون الدوائي داخل المستشفيات والصيدليات الخاصة.
مرضى السرطان، والسكري، وأمراض القلب، والحوامل، وحتى الأطفال، باتوا يواجهون خطر تدهور حالتهم الصحية بسبب غياب أصناف أساسية من العلاج، أو اضطرارهم لاستخدام بدائل أقل فعالية، أو أدوية قاربت صلاحيتها على الانتهاء. ومع استمرار الحرب والانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية، تتزايد المخاوف من أن يتحول المرض البسيط إلى حكم بالموت البطيء.
في غزة، لم تعد رحلة العلاج تبدأ من باب المستشفى، بل من رحلة بحث شاقة عن دواء مفقود، وسط صيدليات شبه فارغة، وأطباء عاجزين، ومرضى يواجهون مصيرهم بقلق يومي لا ينتهي.
"أخشى أن ألد طفلي مريضاً"
منذ أن أخبرها الطبيب بأنها حامل في شهرها الثاني، بدأت هبة أبو عودة (29 عاماً) رحلة يومية مرهقة بين صيدليات مدينة غزة بحثاً عن دواء “الفوليك أسيد”، لكن جميع محاولاتها كانت تصطدم بالإجابة ذاتها: “غير متوفر”.
تقول أبو عودة وهي تجلس داخل خيمتها التي نزحت إليها مع عائلتها: “الطبيب شدد عليّ منذ الأيام الأولى للحمل بضرورة تناول الفوليك أسيد يومياً، وقال إن نقصه قد يؤثر على تكوين الجنين ويزيد خطر التشوهات الخلقية، لكنني لم أجد الدواء في أي مكان”.
وتضيف بصوت متعب: “كل يوم أخرج وأسأل الصيدليات. أحياناً أقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام لأن المواصلات مكلفة، وفي النهاية أعود خائبة”.
في إحدى الصيدليات الخاصة، وجدت هبة أخيراً عبوة دواء واحدة، لكن الصيدلي أخبرها أن تاريخ صلاحيتها لم يتبقَّ له سوى أسابيع قليلة. وتقول:
“أمسكت العلبة بفرح في البداية، لكن الصيدلي قال لي إن الكميات الجديدة لم تُدخل منذ فترة طويلة، وإن الموجود قديم وقارب على الانتهاء”.
وتتابع: “شعرت بالخوف أكثر من الراحة. كيف سأعتمد طوال حملي على دواء قد يختفي في أي لحظة؟”.
تعيش أبو عودة حالة قلق يومية، خاصة مع حديث نساء أخريات عن اضطرارهن لإيقاف المكملات الغذائية الأساسية بسبب فقدانها. تقول: “أحياناً أبكي ليلاً من شدة التفكير. أخشى أن يؤذي نقص الدواء طفلي، أو أن أكتشف بعد الولادة مشكلة كان يمكن تفاديها”.
زوجها، الذي فقد عمله خلال الحرب، لم يعد قادراً على شراء الأدوية من السوق السوداء بأسعار مرتفعة. وتضيف: “حتى عندما يتوفر الدواء يكون سعره مضاعفاً. نحن بالكاد نوفر الطعام والمياه”.
وتختم بمرارة: “أشعر أنني أحارب من أجل أبسط حق… أن أحمل طفلي بأمان. الحرب لا تقتل بالقصف فقط، بل بحرماننا من الدواء أيضاً”.
"أعيش على نصف جرعة"
منذ 13 عاماً، يبدأ خالد شحدة (63 عاماً) يومه بحقنة إنسولين تحفظ توازن السكر في جسده. لكن خلال الأشهر الأخيرة، تحولت هذه الحقنة إلى عبء ثقيل بعد اختفاء أنواع عديدة من الإنسولين في قطاع غزة.
يجلس شحدة داخل منزله المتضرر في دير البلح وسط القطاع، ممسكاً بجهاز قياس السكر الذي يستخدمه مرات عديدة يومياً. يقول: “كنت ألتزم بالعلاج بدقة، لكن الآن لم أعد أجد الإنسولين بشكل منتظم، وأحياناً أمضي أياماً كاملة أبحث عنه دون جدوى”.
ومع تناقص الكميات، اضطر إلى تقليل الجرعات اليومية لإطالة مدة استخدام ما يتوفر لديه. ويضيف: “أعيش على نصف جرعة. أعلم أن هذا خطر، لكن لا خيار آخر أمامي”.
هذا النقص انعكس بشكل واضح على صحته، إذ يعاني من إرهاق دائم وتشوش في الرؤية وآلام في الأطراف وارتفاعات متكررة في مستوى السكر. ويقول: “أشعر أن جسدي ينهار تدريجياً. الدوخة لا تفارقني، وأخشى أن أفقد الوعي في أي لحظة”.
زوجته تراقبه باستمرار خوفاً من غيبوبة سكر مفاجئة، خصوصاً ليلاً. ويضيف: “أصبحوا يتعاملون معي وكأنني قد أموت في أي لحظة”.
ويؤكد أن رحلة البحث عن الدواء باتت مرهقة بين الصيدليات والمستشفيات. “أذهب إلى صيدلية فأجد المخزون انتهى، وأخرى تقول إن الكمية نفدت خلال ساعات. أحياناً أسمع عن السوق السوداء، لكن الأسعار خيالية”.
ويختم بحسرة: “كيف لمريض مزمن أن يعيش وهو لا يعرف إن كان سيجد دواءه غداً؟”.
الأزمة تتفاقم والمخزون يقترب من الصفر
أكدت وزارة الصحة في قطاع غزة أن أزمة نقص الأدوية والمستهلكات الطبية ومواد الفحص المخبري تتفاقم بصورة خطيرة، في ظل استمرار تراجع أرصدة أصناف أساسية إلى مستويات حرجة داخل المستشفيات والمراكز الصحية.
وقالت الوزارة إن نحو 47% من قائمة الأدوية الأساسية غير متوفر، إلى جانب نفاد 59% من المستهلكات الطبية، و87% من مواد الفحص المخبري، ما يهدد قدرة الطواقم الطبية على تقديم الخدمات الأساسية.
وأوضحت أن مرضى السرطان وأمراض الدم والكلى من أكثر الفئات تضرراً، إضافة إلى تراجع خدمات الرعاية الأولية والصحة النفسية.
كما حذرت من النقص الحاد في المستهلكات اللازمة لجراحات العيون والقسطرة القلبية وغسيل الكلى، وفقدان مواد مخبرية أساسية لإجراء التحاليل الحيوية.
وشددت الوزارة على أن استمرار الأزمة وتقليص دخول الأدوية والمستلزمات الطبية يضاعف معاناة المرضى، ويقوض جهود الطواقم الطبية، ويرفع احتمالات حدوث مضاعفات قد تهدد حياة آلاف المرضى في قطاع غزة.

