فلسطين أون لاين

بين نكبتين.. مُسن فلسطيني يستعيد رحلة اللجوء والألم

...
المُسن الفلسطيني عبد الرحمن أبو شمالة يستذكر محطات النكبة الفلسطينية
خانيونس/ ربيع أبو نقيرة:

داخل غرفة بمنزله المتضرر بفعل حرب الإبادة، يجلس المُسن الفلسطيني عبد الرحمن محمد أبو شمالة، مستعيدًا ذاكرة مثقلة بالأوجاع، تبدأ من نكبة فلسطين عام 1948، ولا تنتهي عند مشاهد الدمار والنزوح التي يعيشها الفلسطينيون اليوم.

أبو شمالة، الذي كان طفلًا لم يتجاوز الثالثة من عمره حين هجّرت عائلته من قريتها الفلسطينية على يد العصابات الصهيونية، يقول إن تفاصيل الرحلة الأولى "ما زالت حاضرة في ذهنه رغم مرور أكثر من سبعة عقود".

“هُجرنا من أرضنا عام 1948، ولم تكن لدينا أي وسيلة نقل، فكنا نسير على أقدامنا”، يروي بصوت متعب، ويضيف لصحيفة "فلسطين": “كان والدي يحمل لحافًا واحدًا وكمية قليلة من القمح لا تتجاوز ستة كيلوغرامات، بينما كانت والدتي تحملني وتحمل أختي الرضيعة التي كان عمرها أسابيع فقط”.

ويتابع الرجل الثمانيني روايته المؤلمة قائلاً إن والديه، وبعد ساعات طويلة من السير والجوع والخوف، عجزا عن مواصلة حمل كل شيء، فاضطرا لاتخاذ قرار قاسٍ ظل عالقًا في ذاكرته حتى اليوم.

“عندما اشتد التعب على والديّ، قررا التخفيف من الحمولة، فوقعت القرعة على أختي الصغيرة، فلفّاها بقطعة قماش ووضعاها على جانب الطريق، ثم واصلا السير”، يقول بصوت متقطع تختلط فيه الحسرة بمرارة الذكريات.

وصلت العائلة لاحقًا إلى مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، التي كانت آنذاك، بحسب وصفه، “مدينة صغيرة وفقيرة تفتقر لأبسط مقومات الحياة”، وهناك عاشت الأسرة داخل خيمة تُعرف باسم “الباراشوت”، لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار مربعة.

ويستذكر أبو شمالة سنوات اللجوء الأولى قائلاً: “في إحدى الليالي هبت رياح قوية فطارت الخيمة ولم نرها بعدها، وعشنا مرارة الجوع والعطش”.

ويضيف أن والدته كانت تقطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام لجلب الماء من بلدة عبسان، “ربما كانت تمشي نحو عشرين كيلومترًا من أجل جرة ماء صغيرة”.

وبعد مرور 78 عامًا على النكبة، وجد أبو شمالة نفسه يعيش تجربة نزوح جديدة خلال حرب الإبادة التي يتعرض لها قطاع غزة، إذ اضطرت عائلته للنزوح مرات عديدة هربًا من القصف الإسرائيلي.

ورغم استقرارهم حاليًا في بقايا منزلهم المتضرر، يقول إن معاناة النزوح ما زالت تلاحقهم، في ظل الظروف الإنسانية القاسية ونقص الاحتياجات الأساسية.

“عشنا التعب والجوع والخوف من جديد”، يقول بحزن، مضيفًا: “كأن النكبة لم تنتهِ أبدًا”.

وتختزل قصة عبد الرحمن أبو شمالة حكاية أجيال فلسطينية كاملة، بدأت حياتها بالتهجير وفقدان البيت والأرض، وما زالت حتى اليوم تواجه القصف والنزوح والحرمان، في مشهد يعيد إلى الأذهان ذاكرة النكبة الأولى بكل ما حملته من ألم واقتلاع.