داخل خيمة مهترئة في مخيمات النزوح بالنصيرات وسط قطاع غزة، تخوض الفلسطينية نور الهدى حامد معركة قاسية على جبهتين؛ السرطان الذي ينهش جسدها، والحرب التي تحاصر حقها في العلاج والنجاة. فالأم لأربعة أطفال، المصابة بسرطان المبيض في مرحلته الرابعة، تعيش ظروفًا إنسانية بالغة القسوة، في حين تنتظر منذ أشهر فرصة سفر عاجلة للعلاج خارج القطاع، في ظل استمرار إغلاق المعابر وانهيار المنظومة الصحية.
نور الهدى، التي أنهكتها سنوات المرض والنزوح والجوع، لم تعد تخشى الموت بقدر خوفها من أن يترك أطفالها وحدهم وسط هذه الحياة القاسية. وبين آلام السرطان وأصوات الحرب، تتمسك بخيط أمل أخير يمنحها فرصة للبقاء إلى جانب أبنائها.
وتروي نور الهدى تفاصيل معاناتها قائلة إنها عاشت لسنوات طويلة آلامًا حادة في البطن والظهر وإرهاقًا دائمًا، لكنها كانت تتلقى تشخيصات خاطئة تقتصر على المسكنات أو اعتبار حالتها مجرد التهابات عابرة.
وتقول بصوت مرهق لصحيفة "فلسطين": "كنت أعود إلى البيت وأنا أبكي من شدة الألم، وأحيانًا لا أستطيع الوقوف أو النوم، لكن لم يكن أحد يعرف حقيقة ما أعانيه".
وعلى مدار أكثر من أربع سنوات، تنقلت بين مستشفيات وعيادات عدة داخل قطاع غزة، إلى أن اكتشف أحد الأطباء إصابتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة وخطيرة، بعدما كان المرض قد انتشر بشكل كبير داخل جسدها.
وتصف لحظة التشخيص بأنها كانت "صدمة قاسية" لها ولعائلتها، خاصة أن اكتشاف المرض جاء متأخرًا، في وقت كانت فيه الحرب تدمر القطاع الصحي وتُغلق أبواب العلاج أمام المرضى.
ومع تصاعد الإبادة الجماعية على غزة، اضطرت نور إلى النزوح من منزلها في مدينة غزة مع أطفالها تحت القصف والخوف، حاملة بعض الملابس وأوراقها الطبية، دون أن تعرف إن كانت ستعود إلى منزلها مجددًا.
وتقول: "خرجنا تحت القصف، والأطفال كانوا يبكون طوال الطريق، لم أفكر وقتها في المرض، كنت فقط أحاول حمايتهم".
واستقرت العائلة لاحقًا في النصيرات، داخل خيمة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، حيث تضاعفت معاناتها مع تقدم المرض، وغياب الغذاء المناسب والرعاية الطبية والأدوية الأساسية.
وتوضح نور الهدى أن التقارير الطبية أكدت حاجتها العاجلة إلى عملية جراحية لاستئصال الرحم والمبيض بالكامل، وهي عملية لا تتوفر إمكانيات إجرائها داخل قطاع غزة، بعد التدمير الواسع الذي طال المستشفيات والمراكز الطبية.
ورغم حصولها على تحويلة طبية للعلاج في الخارج، فإنها لا تزال عالقة بسبب استمرار إغلاق المعابر وتقليص أعداد المرضى المسموح لهم بالسفر.
وتقول بحسرة: "كل يوم أسمع عن مرضى توفوا وهم ينتظرون السفر، أخاف أن أصبح رقمًا جديدًا بينهم، لا أريد شيئًا سوى أن أتعالج وأبقى مع أطفالي".
وتؤكد الفرق الطبية المحلية ووفود دولية زارت القطاع ضرورة سفرها بشكل عاجل، محذرة من خطورة حالتها واحتمالية تدهورها في أي لحظة.
ومثل آلاف المرضى في غزة، تحولت رحلة العلاج بالنسبة لنور إلى معركة موازية للحرب، حيث لا تكفي خطورة المرض للحصول على فرصة نجاة، بل يحتاج المريض أيضًا إلى "معجزة" تسمح له بالمرور عبر المعابر المغلقة.
وفي كثير من الليالي، تبقى نور مستيقظة تراقب أطفالها الأربعة وهم نائمون داخل الخيمة، وتفكر بمصيرهم إن رحلت قبل أن تتلقى العلاج.
وتقول بصوت تختنق فيه الدموع: "أكثر ما يخيفني ليس الموت نفسه، بل أن أترك أطفالي وحدهم في هذه الحياة".
ورغم الألم والنزوح وانعدام مقومات الحياة، لا تزال نور تتمسك بأمل أخير في أن تتمكن من السفر قبل فوات الأوان، مضيفة: "أنا لا أطلب المستحيل، أريد فقط أن أتعالج… أريد أن أبقى حية من أجل أطفالي".