لم تكن سمر موسى تدرك أن الركام الذي غطّى منزل عائلتها في مدينة الزهراء جنوب قطاع غزة، سيصبح يومًا بوابة عبور لابنتيها نحو منصة عالمية. فوسط الحرب والدمار والنزوح المتكرر، كانت الأم الفلسطينية تراقب ابنتيها تالا (17 عامًا) وفرح (15 عامًا) وهما تكبران داخل خيمة نزوح، بين أصوات القصف والخوف والجوع، قبل أن تنجحا في تحويل معاناة الحرب إلى مشروع بيئي مبتكر حصد جائزة عالمية، حاملاً اسم فلسطين إلى العالم.
تقول سمر، وهي تستعيد تفاصيل الأيام الأولى للحرب: "خسرنا منزلنا بالكامل، وكل ما تعبنا لأجله اختفى خلال لحظات. نزحنا أكثر من مرة، وعشنا أيامًا قاسية بلا أمان أو استقرار، وحتى أبسط مقومات الحياة كانت مفقودة".
وتضيف لصحيفة "فلسطين": "ابنتاي عاشتا، مثل باقي أطفال غزة، تفاصيل الحرب بكل قسوتها؛ من الخوف المستمر وأصوات الانفجارات، إلى الجوع ونقص المياه والحرمان من التعليم الطبيعي"، مشيرة إلى أن أكثر ما كان يؤلمها شعورها بالعجز أمام ما تعيشه ابنتاها يوميًا.
وتتابع: "كنت أراهما تجلسان أمام الخيمة تنظران إلى الدمار بصمت طويل. شعرت أحيانًا أن الحرب سرقت طفولتهما وأحلامهما، لكنني اكتشفت لاحقًا أن هذا الركام نفسه كان يزرع بداخلهما فكرة جديدة".
وبحسب سمر، بدأت الفكرة عندما سمعت تالا وفرح عن مسابقة عالمية في مجال البيئة وريادة الأعمال مخصصة للفئة العمرية بين 13 و19 عامًا، فقررتا المشاركة بمشروع يرتبط مباشرة بواقع غزة بعد الحرب.
وتوضح: "كانتا ترددان دائمًا أن الناس في غزة يعيشون بين الأنقاض، ومع منع الاحتلال إدخال مواد البناء وتأخر الإعمار، بدأتا تتساءلان: لماذا لا نستفيد من الركام بدل أن يبقى مجرد شاهد على الدمار؟".
ومن هنا، بدأت الشقيقتان العمل على مشروع يقوم على إعادة تدوير مخلفات الحرب وتحويلها إلى حجر قابل لإعادة الاستخدام.
جمعتا بقايا الحجارة المدمرة والرمال والحصمة والأخشاب المحترقة، وبدأتا بإجراء تجارب بسيطة داخل ظروف معيشية شديدة القسوة، لإنتاج كتل يمكن استخدامها كقواطع حول الخيام أو في أعمال بناء بسيطة داخل المناطق المتضررة.
وتقول سمر إنها لم تتوقع في البداية أن يصل المشروع إلى هذا المستوى العالمي، خاصة مع ضعف الإمكانيات، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، وصعوبة الحياة اليومية داخل الخيمة، لكنها كانت تلاحظ إصرار ابنتيها على الاستمرار.
وتضيف: "كانتا تعملان لساعات طويلة رغم التعب والخوف، وحتى في أصعب الأيام لم أشعر يومًا أن الاحتلال قادر على هزيمة إرادتهما".
ومع مرور الوقت، بدأت رحلة المشروع تكبر، حتى جاء اليوم الذي أُعلنت فيه نتائج جائزة "The Earth Prize 2026"، لتتفاجأ العائلة بأن فريق "بناء الأمل – فلسطين"، الذي تمثله تالا وفرح، تأهل ضمن أفضل 35 فريقًا عالميًا من أصل 6095 فريقًا مشاركًا من مختلف دول العالم.
وتقول سمر بصوت تغلبه الدموع: "لم أصدق عندما علمت بالخبر، شعرت أن غزة كلها فازت، وليس ابنتاي فقط".
ولم يتوقف الإنجاز عند هذا الحد، إذ تمكنت الشقيقتان من الفوز بالمركز الأول على مستوى الشرق الأوسط، لتحصلا على دعم مالي بقيمة 12,500 دولار أمريكي، إضافة إلى احتضان عالمي للمشروع باعتباره أحد أكثر المشاريع البيئية تأثيرًا وابتكارًا.
وترى الأم الفلسطينية أن ما يميز تجربة ابنتيها ليس الجائزة بحد ذاتها، بل الرسالة التي خرجت من قلب الحرب إلى العالم، موضحة: "ابنتاي لم تريدا فقط صناعة حجر من الركام، بل أرادتا أن تقولا إن الفلسطيني قادر على صناعة الحياة رغم كل ما يمر به".
وتتابع: "في الوقت الذي كان العالم يرى فيه غزة مدينة مدمرة، كانت تالا وفرح تريان داخل الركام فرصة لبداية جديدة".
وبحسب سمر، فإن المرحلة المقبلة من المسابقة ستتضمن تطبيقًا عمليًا للمشروع بإشراف المؤسسة الدولية المنظمة، ما يمنح الفكرة فرصة للتحول إلى مشروع حقيقي يخدم المجتمع المحلي في غزة.
وتقول: "هما تحلمان بأن يساعد مشروعهما العائلات التي تعيش داخل الخيام، وأن يصبح هذا الحجر يومًا جزءًا من إعادة بناء غزة".
ورغم كل ما عاشته العائلة من فقدان ونزوح ومعاناة، تؤكد سمر أن الحرب لم تستطع قتل الأمل داخل ابنتيها، مضيفة: "الاحتلال دمر البيت، لكنه لم يستطع أن يدمر إرادتهما".
وتختتم حديثها وهي تنظر إلى ابنتيها داخل الخيمة: "أنا فخورة بهما لأنهما أثبتتا أن أبناء غزة قادرون على الوصول إلى العالم حتى وهم يعيشون وسط الدمار، وأن الأمل يمكن أن يولد فعلًا من تحت الركام".
ووجهت سمر مناشدة إلى الفلسطينيين والعرب وكل الداعمين حول العالم للوقوف إلى جانب ابنتيها في المرحلة النهائية من المسابقة العالمية، مؤكدة أن الوصول إلى العالمية يحتاج اليوم إلى دعم وتصويت الناس.
وقالت: "ابنتاي وصلتا إلى هذه المرحلة من داخل الخيمة ومن وسط الحرب والدمار، واليوم هما بحاجة إلى كل صوت حتى تصل فلسطين إلى العالمية من نافذة الخيمة".

