قائمة الموقع

سجى الرفاتي تنتصر للحكاية الفلسطينية تحت القصف

2026-05-14T15:54:00+03:00
من تكريم الطالبة سجى الرفاتي
فلسطين أون لاين

بين أزيز الطائرات، وصخب النزوح، والخيام التي غطّت أحياء مدينة غزة، كانت الطالبة سجى الرفاتي (16 عامًا) تحمل حكايتها الشعبية من مكان إلى آخر، متنقلة بين المدارس ومخيمات الإيواء وتجمعات النازحين، محاولة الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستمعين خلال ساعات قليلة، ضمن «ماراثون الحكايات الشعبية» الذي نظمته وزارة التربية والتعليم العالي في قطاع غزة.

وبالرغم من الحرب، وغياب المواصلات، وخطورة الطرق، نجحت سجى، الطالبة في مدرسة نادي الدرج التعليمية، في انتزاع المركز الأول على مستوى قطاع غزة، في مسابقة هدفت إلى إحياء التراث الشعبي الفلسطيني وتعزيز الهوية الوطنية لدى الطلبة.

ونظّمت وزارة التربية والتعليم العالي حفلاً تكريميًا للفائزين عبر تقنية الفيديو كونفرنس بين شطري الوطن، بحضور الوكيل المساعد للشؤون التعليمية د. محمود مطر، والناطق باسم الوزارة د. صادق الخضور، ومدير التربية والتعليم شرق غزة منير أبو زعيتر، ورئيس قسم الأنشطة الطلابية أيمن شابط، ورئيس شعبة المرشدات صابرين أبو هنا، وعدد من الشخصيات التربوية والتعليمية، حيث جرى تكريم سجى الرفاتي ومعلمتها د. هديل المشهراوي بعد فوزها بالمركز الأول على مستوى القطاع.

موهبة وُلدت مبكرًا

تقول والدة سجى، المعلمة آلاء الرفاتي، إن ابنتها عُرفت منذ طفولتها بموهبتها في الإلقاء والشعر، وحصدت سابقًا العديد من الشهادات في هذا المجال، مشيرة إلى أن حبها الشخصي للإلقاء ساعدها على صقل موهبة ابنتها منذ الصغر.

وتوضح الرفاتي لصحيفة «فلسطين»: «أنا معلمة تعليم أساسي، وأحب هذا الجانب كثيرًا، لذلك كنت دائمًا أدرّب أبنائي على الإلقاء، وسجى منذ طفولتها تمتلك حضورًا قويًا وطريقة مميزة في الحديث».

وتضيف أن تجربة «الحكايات الشعبية» كانت جديدة على ابنتها، لكنها شجعتها على خوضها باعتبارها تجربة مختلفة يمكن أن تكتشف من خلالها جانبًا جديدًا من موهبتها.

وتتابع: «في البداية بدأت سجى تروي الحكاية لنا داخل البيت أمام إخوتها ووالدها، ثم بدأت تتفاعل معها أكثر وتشعر بالحماس والمتعة أثناء أدائها».

سباق مع الوقت

وبحسب والدة سجى، اعتمدت فكرة المسابقة على إحياء الحكاية الشعبية الفلسطينية بطريقة تفاعلية، من خلال رواية الحكاية في أكبر عدد ممكن من الأماكن خلال مدة زمنية قصيرة، بهدف الوصول إلى أكبر قدر من التفاعل الميداني والإلكتروني.

وتقول: «اسمها ماراثون الحكايات الشعبية، وكلمة ماراثون تعني أن الطالبة تدخل في سباق مع الوقت، إذ كانت مدة النشر والتفاعل 24 ساعة فقط».

وتضيف أن المسابقة شملت مديريات التربية والتعليم في قطاع غزة، حيث تنافست الطالبات ضمن مسارات مختلفة، فيما حصدت مديرية شرق غزة المركز الأول على مستوى القطاع.

حكاية تشبه نساء غزة

اختارت سجى حكاية شعبية بعنوان «لو رادت النِّسا تطعمي الحمام لولو مرجان»، وهي حكاية تراثية تعبّر عن قوة النساء وقدرتهن على تجاوز الصعوبات وتحقيق ما يردنه مهما كانت الظروف.

وتقول والدتها إن الحكاية لامست واقع النساء في غزة خلال الحرب، مضيفة: «نساء غزة أثبتن قوة هائلة خلال الحرب، فرغم الخسارات والجوع والخوف، كنّ ينهضن من جديد، وهذه الحكاية تشبههن كثيرًا».

أما سجى، فتوضح أن المشرفة على المسابقة جمعت عشرات الحكايات الشعبية من الجدات، ثم عرضت على الطالبات خمس حكايات مختلفة لتختار كل طالبة الحكاية الأقرب لشخصيتها.

وتقول: «شعرت أن هذه الحكاية تشبهني وتشبه نساء غزة، لذلك اخترتها من بين الحكايات الأخرى».

تدريب ومحاكاة للحكواتية

توضح والدة سجى أن المشرفة على المسابقة، د. هديل المشهراوي، أدّت دور «الحكواتية»، إذ كانت تروي القصص أمام الطالبات، وتدربهن على الأداء وتغيير نبرات الصوت والتفاعل مع الشخصيات.

وتضيف: «سجى كانت تقلّد طريقة الدكتورة هديل في الحكي، لدرجة أن زميلاتها كنّ يقلن لها: أنتِ تحكين مثل الدكتورة تمامًا».

أما سجى فتقول إنها كانت تتدرب يوميًا عبر تكرار الحكاية أكثر من مرة، وتجربة أساليب مختلفة في الإلقاء حتى استقرت على الطريقة الأقرب لشخصيتها.

وتضيف: «كنت أقرأ الحكاية كل مرة بأسلوب مختلف، وأسأل أمي وأختي والدكتورة هديل عن رأيهم، حتى وصلت إلى الطريقة المناسبة».


 

30 محطة في يوم واحد

توضح سجى أن مديرية التربية والتعليم خصصت لكل طالبة مسارًا معينًا من المدارس، وكانت المدارس التي حصلت عليها من أكثر المدارس ازدحامًا بالطلبة.

وتقول: «بعد الانتهاء من المدارس، كنت أذهب إلى مخيمات الإيواء والتجمعات الكبيرة والأسواق، وأروي الحكاية هناك أيضًا».

وبحسب سجى، بدأت جولتها منذ السابعة صباحًا حتى السادسة مساءً، متنقلة سيرًا على الأقدام بسبب غياب المواصلات.

وتضيف: «زرت نحو 30 مكانًا خلال يوم واحد، وفي بعض الأماكن كنت أروي الحكاية لأكثر من صف أو تجمع».

أما والدتها فتقول إن الرحلة كانت مرهقة وخطيرة في الوقت ذاته، خاصة مع تصاعد القصف قرب المدارس.

وتوضح: «بعض المدارس اعتذرت عن استقبالنا بسبب خطورة الوضع الأمني، وكنا أحيانًا نضطر إلى التوقف أثناء الحكاية بسبب إطلاق النار أو القصف، ثم نعود لنكمل من جديد».

وتتابع: «كنا نسير بمحاذاة الجدران خوفًا من القصف، لكن سجى كانت مُصرة على الاستمرار».

تفاعل إلكتروني وميداني

إلى جانب الجولات الميدانية، عملت العائلة على نشر مقاطع فيديو للحكاية عبر مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على أكبر عدد من المشاهدات.

وتقول والدة سجى: «كنا نرسل فيديوهات وصورًا من كل مكان نزوره حتى يتم توثيق المشاركة، كما حاولنا التواصل مع صفحات ومشاهير لنشر الرابط وزيادة التفاعل».

أما سجى فتوضح أن كل مكان كانت تزوره كان يتطلب تصوير مقطع فيديو يوثّق وجودها فيه، مضيفة: «في بعض المدارس والمخيمات كان هناك استقبال جميل وتشجيع كبير».

لم تكن سجى ووالدتها تعلمان بموعد إعلان النتائج، إلى أن طُلب من سجى في أحد الأيام تقديم الإذاعة المدرسية الصباحية.

وتقول سجى: «عندما حضرت المديرية شعرت أن هناك شيئًا مهمًا، وبدأوا يتحدثون عن إنجاز كبير حققته المدرسة، ثم أعلنوا أن مديرية شرق غزة فازت، وبعدها أعلنوا اسمي بالمركز الأول».

وتصف لحظة إعلان النتيجة بأنها كانت «مليئة بالتوتر والخوف والمشاعر المختلطة»، لكنها في الوقت ذاته من أجمل اللحظات التي عاشتها خلال الحرب.

أما والدتها فتقول إن الفوز جاء بعد تعب كبير، مضيفة: «في ذلك اليوم كنا منشغلين أصلًا بالنزوح والانتقال من بيت إلى آخر، لذلك كان الخبر مفاجئًا جدًا لنا».

وترى سجى أن المسابقة لم تكن مجرد منافسة، بل تجربة أعادتها إلى التراث الفلسطيني وأجواء الجدات القديمة.

وتقول: «المسابقة منحتني ثقة أكبر بالنفس، وعززت لدي روح التحدي وعدم الاستسلام، وجعلتني قادرة على الوقوف أمام أعداد كبيرة من الناس دون خوف».

وتضيف: «كانت رحلة طويلة ومتعبة، لكنها ممتعة ومليئة بالشغف، وكلما شعرت بالإرهاق كنت أتذكر عبارتي: لو رادت النِّسا تطعمي الحمام لولو مرجان، فأستعيد قوتي وأكمل الطريق».

اخبار ذات صلة