مع اشتداد حرارة الطقس ودخول فصل الصيف، تتحول الخيام المهترئة داخل مخيمات النزوح في قطاع غزة، إلى ما يشبه "أفرانًا مغلقة" تحت لهيب الشمس الحارقة، فيما يحاول آلاف النازحين النجاة من واقع يزداد قسوة مع استمرار الحرب وغياب أي بدائل سكنية تقيهم قسوة الحر.
داخل تلك الخيام المصنوعة من أقمشة رقيقة وأغطية بلاستيكية لا تمنع الحر، يواجه النازحون أشكالًا متعددة من المعاناة تبدأ بالاختناق وصعوبة النوم ولا تنتهي عند الأمراض الجلدية والجفاف والإغماء، خاصة بين الأطفال وكبار السن والنساء الحوامل.
ومع غياب الكهرباء والمراوح وشح المياه النظيفة، يجد كثير من النازحين أنفسهم مضطرين لقضاء ساعات طويلة خارج الخيام هربًا من الحرارة، بينما تتصاعد معاناتهم مع انتشار الحشرات والروائح الكريهة وتلف الطعام بسرعة بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
ورغم التحذيرات الإنسانية المتزايدة من خطورة الأوضاع داخل مراكز الإيواء، لا تزال دولة الاحتلال تمنع إدخال المساكن البديلة والكرفانات والخيام الجديدة بشكل كاف، ما يترك مئات آلاف العائلات عالقة داخل بيئة نزوح غير صالحة للحياة مع اقتراب فصل صيف يبدو الأكثر قسوة منذ بداية الحرب.
رحلة نزوح طويلة
داخل خيمة صغيرة نُصبت فوق أرض رملية غرب مدينة غزة، يحاول شكري العايدي، وهو أب لخمسة أطفال، التخفيف عن أسرته من حر الصيف الذي بدأ مبكرًا هذا العام، بعد رحلة نزوح طويلة بدأت من مخيم جباليا شمال القطاع وانتهت داخل أحد مخيمات الإيواء المكتظة غرب المدينة.
يقول العايدي لصحيفة "فلسطين": "نحن لا نعيش داخل خيمة، نحن نعيش داخل نار. وقت الظهر لا نستطيع الجلوس دقيقة واحدة في الداخل".
ويشير الرجل الأربعيني إلى سقف الخيمة المصنوع من النايلون والقماش المهترئ قائلاً إن الحرارة تتضاعف داخلها بشكل لا يحتمل، خصوصا مع انعدام الكهرباء وغياب أي وسائل للتبريد.
ويضيف: "أطفالي يستيقظون طوال الليل وهم يبكون من الحر والبعوض. أحيانًا أخرج بهم إلى الشارع أو قرب البحر حتى الفجر فقط لكي يتمكنوا من التنفس".
نزحت عائلة العايدي أكثر من مرة منذ اندلاع الحرب، واضطرت في كل مرة لترك ما تبقى من مقتنياتها خلفها. أما اليوم، فيقول إن أكبر أحلامه لم تعد العودة إلى منزله المدمر، بل الحصول على كرفان صغير يحمي أطفاله من الصيف.
داخل الخيمة، تضع زوجته أوعية مياه قرب الأطفال في محاولة لتلطيف الجو، فيما علّقت العائلة قطعًا من القماش والكرتون فوق السقف أملاً في تخفيف الحرارة، لكن دون جدوى حقيقية.
ويتابع: "وقت الظهيرة تصبح الخيمة خانقة. ابني الصغير أصيب بطفح جلدي بسبب التعرق الدائم، وابنتي أغمي عليها قبل أيام من شدة الحر".
ولا تقتصر معاناة العائلة على الحرارة فقط، إذ يوضح العايدي أن الطعام يفسد بسرعة بسبب غياب التبريد، فيما تحتاج الأسرة إلى كميات مضاعفة من المياه التي يصعب توفيرها يوميًا.
ويقول: "الماء الذي نحصل عليه بالكاد يكفي للشرب. الأطفال يحتاجون للاستحمام أكثر من مرة بسبب الحر، لكن لا توجد مياه كافية".
كما يشكو من انتشار الحشرات والذباب حول الخيام نتيجة تراكم النفايات ومياه الصرف، مضيفًا: "ننام ونستيقظ على البعوض والروائح. حتى النوم أصبح معركة يومية".
معاناة مضاعفة
أما آية البراهمي، فتعيش مع أطفالها الثلاثة داخل غرفة صفية في مدرسة تؤوي نازحين غرب مدينة غزة، بعد أن فقدت زوجها في قصف إسرائيلي استهدف منزل العائلة خلال الحرب.
تجلس المرأة الثلاثينية قرب نافذة مكسورة تحاول من خلالها إدخال بعض الهواء إلى الغرفة المكتظة بالعائلات، بينما كان طفلها الأصغر يلوّح بقطعة كرتون صغيرة لتخفيف الحر عن شقيقته النائمة على الأرض.
تقول البراهمي لصحيفة "فلسطين": "بعد استشهاد زوجي أصبحت الأم والأب معًا، لكنني عاجزة حتى عن حماية أطفالي من الحر".
تصف البراهمي ساعات النهار داخل المدرسة بأنها "لا تطاق"، خاصة مع الاكتظاظ الشديد وانعدام الخصوصية وتعطل المراوح بسبب انقطاع الكهرباء.
وتضيف: "الغرفة تتحول إلى كتلة نار. الأطفال يتشاجرون ويبكون طوال الوقت بسبب الحر وعدم القدرة على النوم".
وتوضح أن أطفالها يعانون باستمرار من التسلخات الجلدية والحكة، بينما أصيب ابنها الأكبر بحالة جفاف قبل أسابيع بعد يوم شديد الحرارة.
وسائل بدائية
وتحاول الأم المفجوعة إيجاد وسائل بدائية للتخفيف عن أطفالها، فتقوم بتبليل أغطيتهم بالماء أو رش الأرضية لتلطيف الجو، لكنها تؤكد أن ذلك لم يعد كافيًا مع اشتداد الحرارة.
وتقول: "أحيانًا أبقى مستيقظة حتى الصباح أراقب الأطفال خوفًا من الاختناق أو الحمى. لا يوجد مكان آمن أو مريح لهم".
من جهته، يقول مدير عام الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" صلاح عبد العاطي لصحيفة "فلسطين": إن معاناة النازحين داخل الخيام ومراكز الإيواء تتفاقم بصورة خطيرة مع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار حرمانهم من السكن الملائم.
ويوضح عبد العاطي أن القانون الدولي الإنساني يُلزم دولة الاحتلال بصفتها قوة احتلال، بضمان توفير الاحتياجات الأساسية للسكان المدنيين، بما يشمل المأوى الملائم وظروف الحياة الإنسانية، مشيرًا إلى أن استمرار منع إدخال الكرفانات والمساكن البديلة ومواد الإيواء يمثل "انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف".
ويحذر من أن استمرار الاعتماد على الخيام المهترئة مع اشتداد حرارة الصيف يهدد بانتشار الأمراض والأوبئة، خاصة في ظل الاكتظاظ ونقص المياه والخدمات الصحية، مطالبًا المجتمع الدولي بالضغط من أجل إدخال المساكن البديلة والخيام الجديدة بشكل عاجل.