قائمة الموقع

في ذكرى النكبة.. محمود خلة يحفر بيديه قبور أحبته تحت أنقاض منزله في جباليا

2026-05-14T10:03:00+03:00
محمود خلة يبحث بين الأنقاض عن جثامين زوجته وأطفاله وأقاربه الذين ما زالوا مدفونين تحت الركام
فلسطين أون لاين

في أحد أحياء جباليا النزلة شمال قطاع غزة، يقف محمود عبد الرحمن خلة يوميًا فوق ركام منزله المدمر، ممسكًا بمطرقة حديدية يضرب بها كتل الإسمنت المتراكمة، باحثًا بين الأنقاض عن جثامين زوجته وأطفاله وأقاربه الذين ما زالوا مدفونين تحت الركام منذ أكثر من عامين ونصف. وبينما يستعد الفلسطينيون لإحياء الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، يعيش محمود نكبته الخاصة كل يوم، وهو يحاول انتشال أحبته ودفنهم بكرامة.

ويقول خلة (40 عامًا) إن منزله المكوّن من خمسة طوابق تعرض لقصف مباشر من طائرات الاحتلال الإسرائيلي مساء الخميس 21 ديسمبر/كانون الأول 2023، بينما كان يضم 39 فردًا من عائلته وأقاربه، بينهم أطفال ونساء وكبار في السن.

ويستعيد تفاصيل تلك الليلة بصوت يختلط فيه الإرهاق بالحسرة لصحيفة "فلسطين": "خرجت قبل دقائق من القصف لأحضر بعض الطعام لأطفالي، رغم أن الآليات العسكرية الإسرائيلية كانت تبعد نحو 700 متر فقط عن المنزل. أردت أن أوفر لهم الخبز والفلافل لنتناول العشاء".


 

ويضيف: "حين عدت، كان الغبار يملأ المكان والركام يتطاير في كل اتجاه. ركضت نحو المنزل، لكنني وجدته قد تحول إلى كومة هائلة من الحجارة. لم يخرج أي ناجٍ، الجميع استشهدوا تحت الأنقاض".

وفقد محمود في القصف زوجته ختام عوض أبو النور، وأطفاله هدى (16 عامًا)، ومحمد (15 عامًا)، وعبد الرحمن الذي استشهد بعد أربعين يومًا فقط من ولادته، إلى جانب والده ووالدته وأشقائه وأبناء أشقائه وعدد كبير من أقاربه.

ويقول إن فرق الإنقاذ، بمساعدة الأهالي والجيران، تمكنت يومها من انتشال بعض الجثامين، من بينها جثمانا شقيقيه محمد وأحمد مع زوجتيهما وأطفالهما، إضافة إلى والده وعدد من أقاربه.

ويتابع بأسى: "حجم الدمار كان مرعبًا، حتى إننا جمعنا أشلاء الشهداء داخل أكياس طحين كبيرة. عبّأنا خمسة أكياس سعة 25 كيلوغرامًا من أشلاء عائلتي، ولم نعد نعرف لمن تعود".

ورغم مرور 29 شهرًا على المجزرة، لا تزال جثامين عدد من أفراد عائلته تحت الأنقاض، بينهم زوجته وأطفاله وأبناء خاله وأقاربه.


 

ويؤكد محمود أن النوم فارق عينيه منذ ذلك اليوم، قائلاً: "منذ 29 شهرًا لم أذق طعم الراحة. أتناول يوميًا ست حبات منومة، لكنني لا أنام سوى دقائق قبل أن أستيقظ على كوابيس وصراخ أطفالي وزوجتي".

ويضيف: "أفكر طوال الوقت كيف سأخرجهم من تحت الركام. هل تصل إليهم مياه الأمطار؟ هل نهشت القوارض جثامينهم؟ أريد فقط أن أدفنهم في قبر معروف أستطيع زيارته".

ويلفت إلى أنه طرق أبواب البلديات والدفاع المدني واللجنة الدولية للصليب الأحمر طلبًا للمساعدة، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل بسبب صعوبة الوصول إلى المنطقة وغياب المعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام.

وأمام هذا العجز، قرر محمود أن يبدأ بنفسه رحلة البحث، فاستأجر عددًا من العمال على نفقته الخاصة، وبدأ بتحطيم المبنى يدويًا للوصول إلى الطابق الأرضي، حيث يعتقد أن جثامين عائلته ما تزال مدفونة هناك.

ويقول: "تكلفة العمل وصلت إلى 17 ألف شيكل، لكنني لن أتوقف. سأواصل الحفر حتى أجدهم جميعًا وأدفنهم كما يليق بهم".

وبين حين وآخر، يجلس محمود قرب الركام ليلتقط أنفاسه، قبل أن يعود إلى ضرب الإسمنت بمطرقته الحديدية، وكأنه يخوض معركة شخصية ضد الموت والغياب.

ومن أكثر اللحظات التي لا تفارقه، كلمات ابنته هدى قبل دقائق من القصف. يقول بصوت مرتجف: "طلبت مني أن أرتدي خاتمها في يدي اليمنى، وقالت: إذا استشهدت سيتعرفون عليّ من خلال هذا الخاتم. رحلت هدى، وما زال خاتمها في يدي حتى اليوم".

وقبل يومين فقط، تمكن محمود بمساعدة عدد من الأهالي من انتشال جثمان خاله محمد، البالغ من العمر خمسين عامًا، فيما لا تزال جثامين آخرين تحت الأنقاض، بينهم رائد خلة، وفاطمة خلة، وشعبان شرير، وتيجان شرير، وسالم أحمد خلة، ومصطفى أحمد خلة، وعبد الله خلة، وعبد الرحمن عمر خلة.


 

وتتزامن مأساة محمود مع اقتراب الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، التي يحيي فيها الفلسطينيون ذكرى تهجيرهم القسري عام 1948، بينما يعيش سكان غزة اليوم نكبة جديدة تتجسد في القتل والتشريد وتدمير المنازل وفقدان العائلات بأكملها.

ويقول محمود: "شعبنا يعيش نكبات متواصلة. في ذكرى النكبة ما زلنا نفقد أبناءنا وبيوتنا وأحلامنا، والاحتلال لا يكتفي بقتلنا، بل يحرمنا حتى من دفن أحبائنا".

وخلال الحرب على قطاع غزة، تعرضت مئات آلاف المنازل السكنية للقصف والتدمير، ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، فيما لا تزال فرق الإنقاذ والأهالي يواصلون البحث عن المفقودين وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض في مناطق مختلفة من القطاع.

وبحسب وزارة الصحة في غزة، ارتفعت حصيلة ضحايا الحرب إلى عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، بينما لا تزال مئات العائلات تعيش مأساة البحث عن أبنائها تحت الركام، تمامًا كما يفعل محمود خلة كل يوم، وهو يطرق بصبر وألم طبقات الإسمنت، بحثًا عن نهاية تليق بأحبته>

اخبار ذات صلة