في الذكرى الـ(78) للنكبة، يقف مخيم جنين مجددا في قلب المشهد الفلسطيني، لكن هذه المرة بين ركام البيوت المدمرة والغضب والأسئلة الثقيلة. فالمخيم الذي شكل لعقود رمزا للمقاومة الفلسطينية يواجه اليوم واحدة من أعنف عمليات الاجتثاث والتفكيك، وسط اتهامات غير مسبوقة للسلطة وأجهزتها الأمنية بالمساهمة في إنهاك المخيم قبل الاجتياح الإسرائيلي. وبينما تعقد حركة فتح مؤتمرها الثامن، يعلو سؤال غاضب من قلب المخيمات: هل تقف فتح مع المخيم أم مع إزالته؟
يرى القيادي النازح من مخيم جنين جمال الزبيدي أن ما يتعرض له المخيم اليوم لا يمكن فصله عن السياق السياسي والأمني الذي سبق الاجتياح الإسرائيلي الواسع، مؤكدا أن العدوان لم يبدأ فعليا في الحادي والعشرين من يناير 2025، بل سبقته عملية فلسطينية حملت اسم (حماية الوطن) في الخامس من ديسمبر 2024.
ويقول الزبيدي لصحيفة "فلسطين"، إن قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية استنزفت على مدار أكثر من شهر ونصف طاقات شباب المخيم، قبل أن يبدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية (السور الحديدي) التي اجتاحت المخيم ودفعت سكانه إلى النزوح القسري في واحدة من أعنف العمليات التي شهدتها الضفة المحتلة منذ سنوات.
وبحسب القيادي الفلسطيني، فإن مخيم جنين شمالي الضفة الغربية تعرض لعملية اقتلاع منظمة استهدفت البشر والحجر معا، إذ نزح ما يقارب خمسة وعشرين ألف فلسطيني من سكانه بعد تدمير واسع طال الأحياء السكنية والبنية التحتية والمرافق العامة والخدماتية.
ويؤكد أن حجم الدمار تجاوز حدود العمليات العسكرية للاحتلال، إذ دمرت ما بين 1500 إلى 1900 وحدة سكنية بشكل كلي وجزئي، وتدمير بنى تحتية ومقرات مؤسسات خدماتية وإنسانية، إلى جانب شق طرق جديدة داخل المخيم وتحويل أجزاء واسعة منه إلى مناطق تخضع لرقابة عسكرية مباشرة.
ما قبل الاجتياح الإسرائيلي
ويشير الزبيدي إلى أن العدوان الإسرائيلي أسفر عن استشهاد خمسة وستين فلسطينيا من المخيم، في وقت تعيش فيه العائلات النازحة أوضاعا إنسانية شديدة القسوة وسط غياب خطط إغاثية حقيقية قادرة على حماية السكان أو إعادة الحد الأدنى من الحياة الطبيعية إليهم.
الغضب الأكبر لدى الزبيدي لا يتوقف عند الاحتلال فقط، بل يمتد إلى أداء السلطة الفلسطينية التي يتهمها بالتخلي عن المخيم، بل وملاحقة المقاومين وأنصارهم في الوقت الذي يتعرض فيه المخيم لعملية اجتثاث غير مسبوقة تستهدف رمزية المقاومة الفلسطينية في شمال الضفة الغربية.
ويكشف أن أجهزة الأمن التابعة للسلطة تعتقل أكثر من 100 شاب من أبناء مخيم جنين، بينهم مقاومون ومناصرون للمقاومة، مؤكدا أن بعضهم تعرض لتعذيب قاس أدى إلى إصابات خطيرة، فيما ترفض الأجهزة الأمنية الإفراج عن عشرات المعتقلين رغم صدور قرارات قضائية بالإفراج عنهم.
ويضيف أن خمسة وستين معتقلا حصلوا بالفعل على قرارات قانونية تقضي بإطلاق سراحهم، إلا أن تلك القرارات بقيت حبرا على ورق، في مشهد يراه الزبيدي دليلا على تغول الأجهزة الأمنية وتجاوزها للقانون في التعامل مع أبناء المخيمات الشمالية.
مقاتلو جنين تحت ملاحقتين
وفي المقابل، تواصل قوات الاحتلال حملات الاعتقال اليومية داخل محافظة جنين ومحيطها، مركزة بشكل أساسي على المقاومين المطلوبين، بينما تتسع دائرة الملاحقة من قبل السلطة لتشمل كل من يعبر عن دعمه لفكرة المقاومة حتى عبر منشورات على منصات التواصل الاجتماعي.
ويعتبر الزبيدي أن هذا الواقع خلق حالة غير مسبوقة من الضغط المركب على مخيم جنين، حيث يجد المقاوم نفسه مطاردا من الاحتلال الإسرائيلي ومن الأجهزة الفلسطينية في آن واحد، فيما تتعرض الحاضنة الشعبية للمقاومة لمحاولات تجفيف وإسكات متواصلة.
ويقول، إن ما يجري في مخيمات شمال الضفة، وخاصة جنين وطولكرم ونور شمس، تجاوز حدود "التواطؤ السياسي" إلى "الشراكة الميدانية" مع الاحتلال في استهداف البنية الاجتماعية والوطنية للمخيمات التي شكلت تاريخيا خزانات للثورة الفلسطينية.
ويرى أن هذا السلوك يطرح أسئلة كبيرة داخل حركة فتح نفسها، خصوصا في ظل انعقاد مؤتمرها الثامن - تنطلق أعماله اليوم- متسائلا: "هل تحررت فلسطين حتى نحارب من يحمل السلاح دفاعا عنها؟"
أين فتح مما يحدث في المخيمات؟
ويضيف الزبيدي أن قيادات حركة فتح مطالبون اليوم بموقف واضح مما يحدث في المخيمات الشمالية وعموم الضفة القدس المحتلة، ومن استمرار استهداف حق العودة والهوية الوطنية الفلسطينية، محذرا من أن الصمت الداخلي أخطر من العدوان الخارجي إذا استمر دون مراجعة حقيقية.
ويؤكد أن المؤتمر الثامن فتح يمثل اختبارا حقيقيا للحركة، فإما أن يعيد تصويب البوصلة الوطنية نحو حماية المقاومة والمخيمات، أو يكرس واقعا سياسيا يزيد من حالة الانفصال بين الشارع الفلسطيني والقيادة الرسمية.
وفي ظل الكارثة الإنسانية التي يعيشها النازحون من مخيم جنين، يلفت الزبيدي إلى أن حجم الدعم المالي المقدم للعائلات المشردة لا يتناسب إطلاقا مع حجم المأساة، موضحا أن ما تلقته مئات العائلات خلال ستة عشر شهرا لم يتجاوز اثني عشر ألف شيكل فقط.
ويشير إلى أن هذه المساعدات المحدودة جاءت عبر السلطة الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا"، لكنها بقيت بعيدة عن تلبية الاحتياجات الأساسية للعائلات التي فقدت منازلها ومصادر رزقها واستقرارها الاجتماعي بالكامل.
مخيم جنين ينزف
ويشير الزبيدي أن الاحتلال سمح قبل نحو شهر ونصف بدخول ما يقارب 120 امرأة من المخيم لتفقد منازلهن وإخراج بعض المقتنيات الشخصية، لكن ذلك جرى وفق إجراءات مهينة وتحت مرافقة مباشرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
ويقول، إن النساء خضعن لتفتيشات مشددة وإجراءات أمنية قاسية خلال دخولهن إلى المخيم، في مشهد وصفه بأنه يعكس حجم الإذلال الذي يعيشه سكان المخيم حتى أثناء محاولتهم الوصول إلى بيوتهم المدمرة أو استخراج ما تبقى من مقتنياتهم.
وفي تطور خطير، يشير الزبيدي إلى أن الاحتلال أصدر قرارا بمصادرة سبعة دونمات من أراضي منطقة الجابريات المطلة من المخيم، بهدف إقامة معسكر عسكري وأبراج مراقبة تفرض مزيدا من السيطرة الأمنية على المنطقة بالكامل.
ويؤكد أن هذا القرار يعد سابقة خطيرة، كونه أول قرار إسرائيلي بمصادرة أراض فلسطينية من مناطق مصنفة "أ" داخل المدن الفلسطينية، ما يعكس انتقال الاحتلال إلى مرحلة جديدة من إعادة هندسة السيطرة العسكرية داخل الضفة الغربية.
ويرى الزبيدي أن مخيمات شمال الضفة تركت فريسة مباشرة للجرافات العسكرية والتفجيرات والصواريخ، فيما ترك سكانها في العراء دون غطاء سياسي أو وطني حقيقي، بينما يتعرض الجزء المقاوم منها لحملات مطاردة متواصلة.
ورغم حجم الدمار والضغط، يؤكد الزبيدي أن المقاومة الفلسطينية لن تنكسر، معتبرا أن المقاومة ليست مجرد مجموعات مسلحة بل فكرة متجذرة في الوعي الفلسطيني، وأن مخيم جنين سيبقى "شعلة ثورة لا تخمد" مهما اشتدت حملات الاستهداف