لم تعد الطفلة نجوى حجاج تخوض معركةً مع مرض نادر فحسب، بل أصبحت تواجه حصاراً مركباً يطوق جسدها الصغير من كل اتجاه. فبعد أن عادت قسراً من رحلة علاج في الأردن قبل استكمال مراحلها، إثر إغلاق المعابر وتشديد القيود على مرضى غزة، وجدت نفسها عالقة بين انسداد المريء وغياب العلاج، في مشهد يلخص معاناة آلاف الأطفال المرضى في قطاع غزة المحاصر.
نجوى، التي تعاني من تضيق حاد ومستمر في المريء منذ الولادة، باتت اليوم عاجزةً تماماً عن تناول الطعام، وتعتمد فقط على الماء والمحاليل الطبية للبقاء على قيد الحياة، بينما يزداد وضعها الصحي تدهوراً مع استمرار الحرب ونقص الإمكانيات الطبية.
وبجوار سريرها، تجلس والدتها منهكةً بين الخوف والعجز، تارةً تمسح بقطعة قماش مبللة على جبين ابنتها، وتارةً أخرى تراقب كيس المحلول الذي يمدها بالغذاء الوحيد الممكن. تقول الأم بصوت يثقله الألم لصحيفة "فلسطين": "نجوى لا يقتلها المرض وحده، بل تقتلها الحرب والحصار كل يوم".
وتروي الأم بداية رحلة المعاناة، موضحةً أن ابنتها شُخصت منذ ولادتها بمرض نادر يتمثل في تضيق شديد بالمريء، ما جعل تناول الطعام مهمةً مؤلمة وشبه مستحيلة.
وتضيف: "في السابق كانت تستطيع، وبصعوبة شديدة، شرب القليل من الحليب أو العصير، لكن حالتها تدهورت مع تقدمها في العمر حتى أُغلق المريء بالكامل تقريباً. أصبحت ترى الطعام دون أن تتمكن من تذوقه".
وتشير إلى جسد طفلتها النحيل قائلةً: "نجوى تعيش على الماء والمحاليل فقط، ووزنها لا يتناسب مع عمرها إطلاقاً. كلما كبرت، ازداد المريء ضيقاً، وكأن المرض يسرق طفولتها يوماً بعد آخر".
وتستذكر الأم الأشهر الخمسة التي قضتها برفقة ابنتها في الأردن العام الماضي بعد حصولها على تحويلة علاجية، مؤكدةً أن حالة نجوى شهدت تحسناً ملحوظاً عقب خضوعها لعمليات توسعة وجلسات علاج مكثفة.
لكن رحلة العلاج توقفت بشكل مفاجئ، وفق حديث الأم، بعد صدور قرار بإعادة مرضى قطاع غزة قبل استكمال علاجهم. وتقول: "توسلنا من أجل بقائنا لأن حالة نجوى كانت تحتاج لاستمرار العلاج، لكننا أُجبرنا على العودة. منذ ذلك اليوم تدهورت حالتها سريعاً".
وتتابع بحسرة: "بعد عودتنا تواصلت مع المستشفى في الأردن، لكن الرد كان أنهم غير قادرين على استقبالنا مجدداً بسبب القيود المفروضة على خروج المرضى من غزة".
ولا تنفصل معاناة نجوى عن الواقع الصحي المتدهور في القطاع، حيث أدى استمرار الحرب واستهداف المنظومة الصحية إلى نقص حاد في الأدوية والمكملات الغذائية والحليب العلاجي اللازم للأطفال المرضى، إلى جانب تعطل سفر مئات الحالات الحرجة.
وتوضح والدتها أن سوء التغذية ونقص الفيتامينات تسبباً بإصابتها بفقر دم حاد، ما اضطرها لتلقي وحدات دم أكثر من 15 مرة خلال الفترة الماضية.
وتقول الأم: "كل مرة ينخفض فيها مستوى الدم أشعر أنني أفقدها تدريجياً. الاحتلال لم يترك لنا مستشفيات قادرة على علاج الأطفال، ومنع المرضى من السفر، وكأن الموت البطيء أصبح مصيراً مفروضاً علينا".
وتتساءل بحرقة: "ماذا فعلت نجوى لتعيش كل هذا الألم؟ أطفال العالم يذهبون إلى المدارس ويلعبون، بينما ابنتي تقضي أيامها بين المستشفيات والمحاليل الطبية".
وتوجه الأم نداءً عاجلاً إلى المؤسسات الدولية والجهات الإنسانية للعمل على إنقاذ ابنتها وتمكينها من استكمال علاجها خارج قطاع غزة، مؤكدةً أن الوقت يضيق مع استمرار تدهور حالتها الصحية.
وتختم حديثها بكلمات تختصر حجم المأساة: "لا أريد المستحيل، فقط أريد حق ابنتي في العلاج، وحقها في أن تعيش طفولتها بعيداً عن الحرب والحصار".
وتبقى الطفلة نجوى، كغيرها من أطفال غزة المرضى، عالقةً بين مرض ينهش جسدها، وحصار يغلق أبواب العلاج، في انتظار فرصة أخيرة للحياة قبل أن يضيق الوقت أكثر.