فلسطين أون لاين

جدلية حقوق الإنسان والأمن الإسرائيلي في الصحافة البريطانية

شكّلت الحرب على غزة واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل داخل الإعلام الغربي عمومًا، والصحافة البريطانية خصوصًا، إذ كشفت طبيعة التغطيات الإعلامية عن وجود تباين واضح بين الخطاب المرتبط بحقوق الإنسان والخطاب الأمني الذي تتبناه إسرائيل في تبرير عملياتها العسكرية. وفي هذا السياق برزت صحيفة The Guardian بوصفها واحدة من أكثر الصحف البريطانية حضورًا في تغطية الحرب، لما تمتلكه من تأثير إعلامي واسع وخط تحريري يُصنّف غالبًا ضمن التيار الليبرالي النقدي.

اتسم خطاب الصحيفة تجاه الحرب على غزة بدرجة من التوازن النسبي مقارنة ببعض الصحف الغربية الأخرى، إذ حاولت الجمع بين الاعتراف بالهواجس الأمنية الإسرائيلية من جهة، وإبراز الكارثة الإنسانية التي تعرض لها المدنيون الفلسطينيون من جهة أخرى. غير أن هذا “التوازن” نفسه أثار نقاشًا واسعًا حول حدود المهنية الإعلامية، ومدى قدرة الصحافة الغربية على معالجة القضية الفلسطينية بعيدًا عن الاعتبارات السياسية والتحالفات الغربية التقليدية مع إسرائيل.

منذ المراحل الأولى للحرب، ركزت الصحيفة على البعد الإنساني للأحداث، خاصة ما يتعلق بأعداد الضحايا المدنيين، وتدمير البنية التحتية، وأزمة النزوح، والانهيار الصحي داخل قطاع غزة. وقد نشرت تقارير متعددة تتناول أوضاع المستشفيات، ونقص الغذاء والمياه، وآثار الحصار على السكان المدنيين، وهو ما يعكس اهتمامًا واضحًا بخطاب حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني.

 كما اعتمدت الصحيفة بصورة متكررة على تقارير صادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية، الأمر الذي منح تغطيتها طابعًا قانونيًا وأخلاقيًا يتجاوز البعد الإخباري التقليدي.

لكن في المقابل، لم تتخلَّ الصحيفة عن تناول الرواية الأمنية الإسرائيلية، إذ أشارت في عدد من تقاريرها وتحليلاتها إلى أن إسرائيل تبرر عملياتها العسكرية بحق الدفاع عن النفس ومواجهة التهديدات الأمنية. وهنا تظهر الجدلية الأساسية في خطاب الصحيفة؛ فهي من جهة تنتقد حجم القوة العسكرية المستخدمة وتأثيرها الكارثي على المدنيين، ومن جهة أخرى لا تتجاهل الخطاب الأمني الإسرائيلي الذي يحظى بدعم سياسي غربي واسع.

وتكشف هذه الازدواجية عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة الإعلام الغربي نفسه، إذ غالبًا ما يجد نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين الالتزام بالقيم الليبرالية وحقوق الإنسان، وبين تأثير البيئة السياسية الغربية المنحازة تاريخيًا لأمن إسرائيل. لذلك فإن خطاب The Guardian لم يكن خطابًا راديكاليًا بالكامل تجاه إسرائيل، بل اتسم بمحاولة الحفاظ على مساحة وسطية تسمح بانتقاد الحرب دون الاصطدام الكامل بالسردية الأمنية الغربية.

فيما برز في تغطية الصحيفة اهتمام واضح بمفهوم “التناسب” في استخدام القوة، وهو مفهوم قانوني يرتبط بالقانون الدولي الإنساني. فقد ناقشت الصحيفة مرارًا مسألة ما إذا كانت العمليات العسكرية الإسرائيلية تتجاوز حدود الدفاع المشروع عن النفس، خاصة في ظل ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين. وهنا تحوّل خطاب الصحيفة من مجرد نقل الأخبار إلى مساءلة أخلاقية وقانونية للسياسات العسكرية الإسرائيلية.

ومن الملاحظ أيضًا أن الصحيفة أعطت مساحة لكتاب ومحللين ذوي توجهات مختلفة، بعضهم تبنى مواقف نقدية حادة تجاه إسرائيل، بينما ركز آخرون على المخاوف الأمنية الإسرائيلية.

وهذا التنوع يعكس طبيعة الصحافة الليبرالية البريطانية التي تحاول تقديم تعددية نسبية في الآراء، لكنه في الوقت نفسه يُظهر حدود هذه التعددية عندما يتعلق الأمر بالقضايا المرتبطة بالسياسة الخارجية الغربية.

وعلى مستوى الرأي العام، أسهمت تغطية The Guardian في تعزيز الحضور الإنساني للقضية الفلسطينية داخل المجتمع البريطاني، خاصة مع تصاعد المظاهرات المؤيدة لغزة في London وعدد من المدن الأوروبية. إذ ساعد التركيز على صور الضحايا والأطفال والدمار في إعادة تشكيل جزء من المزاج الشعبي الغربي تجاه الحرب، وهو ما ظهر في تصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة الإسرائيلية داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية والحقوقية.

إلا أن الصحيفة تعرضت أيضًا لانتقادات من اتجاهات مختلفة؛ فالبعض رأى أنها ما تزال أسيرة للسردية الغربية التقليدية التي تمنح الأولوية لأمن إسرائيل، بينما اعتبرها آخرون منحازة للفلسطينيين بسبب تركيزها الكبير على الأزمة الإنسانية في غزة. وهذا الانقسام يعكس حساسية القضية الفلسطينية داخل الإعلام الغربي، حيث تصبح أي محاولة للتغطية موضع اتهام من أحد الطرفين.

ومن الناحية التحليلية، يمكن القول إن خطاب The Guardian تجاه غزة يكشف عن تحول تدريجي في بعض دوائر الإعلام الغربي، يتمثل في ازدياد حضور الخطاب الحقوقي والإنساني مقارنة بالمراحل السابقة. غير أن هذا التحول لا يعني بالضرورة حدوث قطيعة كاملة مع الرؤية الغربية التقليدية للصراع، بل يعبر عن محاولة لإعادة صياغة الخطاب الإعلامي بطريقة أكثر انسجامًا مع تصاعد الاهتمام العالمي بحقوق الإنسان.

وفي المحصلة، فإن دراسة خطاب The Guardian بشأن غزة تكشف عن جدلية مستمرة بين قيم حقوق الإنسان ومتطلبات الأمن الإسرائيلي داخل الصحافة البريطانية. فالإعلام هنا لا يعمل فقط بوصفه ناقلًا للأحداث، بل بوصفه فاعلًا مؤثرًا في تشكيل الرأي العام وإنتاج السرديات السياسية والأخلاقية المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ولذلك تبقى تغطية غزة اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الصحافة الغربية على تحقيق التوازن بين المهنية الإعلامية والضغوط السياسية والأيديولوجية التي تحكم البيئة الدولية المعاصرة.