قائمة الموقع

بين الشهادة والغياب… الحاج فتحي الصفدي مفقود منذ قصف شارع الجلاء في غزة

2026-05-12T15:49:00+03:00
الحاج فتحي الصفدي
فلسطين أون لاين

منذ تسعة أشهر، تعيش عائلة الحاج فتحي الصفدي بين احتمالين قاسيين؛ إما أنه استشهد تحت ركام شارع الجلاء في مدينة غزة، أو أنه ما يزال حيًا في مكان مجهول، ربما أسيرًا أو مفقودًا لم ترد عنه أي معلومات حتى اليوم.

في كل مرة يُفتح فيها ملف جديد للمفقودين، يعود ابنه سعيد الصفدي إلى النقطة ذاتها: لا جثمان، لا أثر، ولا يقين يخفف مرارة الانتظار.

في الرابع عشر من سبتمبر 2025، خرج الحاج فتحي، البالغ من العمر 64 عاماً، من منطقة السدرة بمدينة غزة، متجهاً نحو منزل العائلة في منطقة الكرامة شمال المدينة. لم يكن هدفه تفقد المنزل فقط، بل محاولة جمع بعض الاحتياجات استعداداً للنزوح جنوباً مع اشتداد القصف الإسرائيلي.

يقول نجله سعيد لصحيفة "فلسطين": “خرج والدي صباحاً باكراً، قرابة الساعة التاسعة، وكان الوضع خطيراً جداً، لكن بعض الناس كانوا يحاولون العودة إلى بيوتهم لجلب ما يمكن إنقاذه”.

لم يكن أحد يتوقع أن تكون تلك آخر مرة يُرى فيها الحاج فتحي.

على مفترق شارع الجلاء مع منطقة العيون، استهدفت طائرة إسرائيلية مجموعة من المارة بصاروخ، وكان من بينهم الحاج فتحي إلى جانب شاب يُدعى محمد زين الدين، الذي نجا مصاباً من القصف.

بعد أيام، ظهر مقطع مصور للشاب المصاب، تحدث فيه عن اللحظات التي أعقبت الغارة. وبين أصوات الفوضى والأنين، سمع أفراد العائلة صوت الحاج فتحي للمرة الأخيرة.

يقول سعيد: “تأكدنا من صوت والدي فوراً. لم تظهر صورته بوضوح، لكننا عرفناه من صوته وطريقة كلامه”.

ويضيف: “الشاب الذي نجا أخبرنا أن والدي كان جثة هامدة بعد القصف، وأنه كان بجواره لحظة الاستهداف”.

لكن رغم هذه الشهادة، لم تتمكن العائلة من الوصول إلى المكان حينها بسبب توغل الجيش الإسرائيلي وسيطرته على المنطقة. وبعد نحو شهر، ومع أول فرصة للعودة، توجه أفراد العائلة للبحث عنه.

كانت الصدمة أكبر من قدرتهم على الاحتمال.

“لم نجد شيئاً… لا جثمان، لا ملابس، لا هوية، ولا أي أثر يدل عليه”، يقول سعيد بصوت يثقله التعب، مضيفاً:

“المنطقة كانت مجرفة بالكامل، والجيش الإسرائيلي كان متمركزاً هناك”.

حتى شارع الجلاء، الذي كان يعج آنذاك بالجثامين وآثار الدمار، بدا خالياً تماماً عند وصول العائلة. ومنذ ذلك اليوم، بقي الحاج فتحي في خانة “المفقودين”.

ورغم ترجيح العائلة استشهاده، فإن غياب الجثمان أبقى باب الأمل موارباً.

يقول سعيد: “أحياناً نقول ربما أُصيب ونُقل إلى مكان آخر، أو ربما أُسر… لا نعرف. الإنسان يتمسك بأي أمل”.

وقدمت العائلة بلاغات إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر والدفاع المدني ومؤسسات معنية بالمفقودين، دون أي نتيجة حتى الآن.

ومنذ اختفائه، لم تتوقف والدته وأبناؤه عن البحث والسؤال كلما ظهرت قوائم جديدة للمعتقلين أو المفقودين، علّ اسمه يظهر في مكان ما.

كان الحاج فتحي، المولود عام 1961، معروفاً بهدوئه وحرصه على أسرته. خرج يومها وهو يفكر في تأمين ما تحتاجه عائلته في رحلة نزوح محتملة، لكنه لم يعد.

واليوم، لا تملك عائلته قبراً تزوره، ولا جثماناً تودعه، فقط ذاكرة معلّقة عند صباح خرج فيه رجل ستيني بحثاً عن أمان أسرته، ثم اختفى وسط الحرب، تاركاً أبناءه في أقسى أنواع الفقد: غياب بلا وداع، ولا يقين.

اخبار ذات صلة