تسود حالة من الغضب والسخط بين مئات المواطنين في قطاع غزة من جراء سياسات "بنك فلسطين" في تجميد عشرات الحسابات البنكية لمختلف فئات المجتمع خلال الفترة الراهنة، وهو ما وصفوه بإجراءات "مجحفة" وتُعمق معاناة السكان الذين لا يزالون يعانون ويلات الإبادة الجماعية الممتدة على مدار أكثر من عامين.
وتأتي إجراءات "بنك فلسطين" في ظل انهيار اقتصادي خانق وأزمة في السيولة النقدية التي يعيشها سكان القطاع بفعل حرب الإبادة الجماعية، حيث يتهم مواطنون ونشطاء ومؤسسات أهلية خلال أحاديث منفصلة مع صحيفة "فلسطين"، بنك فلسطين بأنه يتخذ إجراءات فاقمت معاناة السكان وحرمت آلاف الأسر من الوصول إلى أموالها، واصفين إياها بـ "التعسفية"، مطالبين بالوقت ذاته بوقف سياسة التجميد وإيجاد حلول تراعي الواقع الإنساني الكارثي في القطاع.
يندد عضو التجمع الشعبي الرافض لتجميد الحسابات معاوية الصوفي، بممارسات البنك بحق الأسرى والمحررين وأسر الشهداء والأيتام والأرامل، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العائلات تعتمد على الحوالات المالية القادمة من الخارج لتوفير الغذاء والحليب والاحتياجات الأساسية لأطفالها.
ويقول الصوفي لصحيفة "فلسطين"، إن تجميد الحسابات حرم العديد من الأسر من الاستفادة من تلك التحويلات، متسائلًا عن مصير النساء اللواتي فقدن معيلهن وأصبحن يعتمدن بشكل كامل على المساعدات والتحويلات الخارجية، مضيفًا "إذا لم تستجب إدارة البنك لمطالب المواطنين، سنصّعد احتجاجاتنا".
فيما أكد مسؤول المكتب الإعلامي في حركة الأحرار محمود أبو سويرح، رفضه لما وصفه بـ"الإجراءات التعسفية" بحق الأسرى والجرحى وأسر الشهداء، معتبرًا أن هذه السياسات "لا تخدم إلا مصلحة الاحتلال" على حد تعبيره.
وطالب أبو سويرح إدارة بنك فلسطين بالتراجع عن قرارات التجميد حفاظًا على "قوت الشعب الفلسطيني"، منتقدًا في الوقت ذاته دور سلطة النقد الفلسطينية الذي وصفه بأنه "سلبي" تجاه معاناة المواطنين.
إلى ذلك، خيّمت حالة الغضب على الأسير المحرر مجدي ياسين، الذي جمد بنك فلسطين حسابه البنكي، معتبراً ذلك "إجراءً جائراً وتعسفياً"، متهماً سلطة النقد بالمساهمة في تضييق الخناق عليه وعلى كافة أطياف الشعب الفلسطيني.
ويقول ياسين لمراسل "فلسطين"، إن الأسرى المحررين يواجهون صعوبات مضاعفة بعد خروجهم من السجون بسبب عدم الاعتراف ببعض الوثائق الشخصية القديمة أو الهويات الصادرة قبل الحرب.
وأضاف أن الأسرى المحررين وجدوا أنفسهم غير قادرين على تعريف أنفسهم أو فتح حسابات مصرفية رغم حاجتهم الملحة إليها، داعيًا البنك إلى "الانتصار لحقوق الشعب الفلسطيني" والوقوف إلى جانب الشرائح المهمشة بدلًا من زيادة الضغوط عليها في ظل استمرار الحرب وتداعياتها.
بدوره، أوضح المحامي أيمن أبو شاويش أن الأزمة لا تقتصر على المواطنين العاديين، بل امتدت إلى حسابات المحامين أيضًا، حيث فوجئ عدد كبير منهم بإغلاق حساباتهم دون توضيح أسباب قانونية واضحة.
وبيّن أبو شاويش أن العلاقة بين البنك والعميل تحكمها عقود وقوانين، متسائلًا عن المبررات القانونية التي تسمح بإغلاق الحسابات دون إخطار واضح أو مسار قانوني مفهوم، خاصة في ظل اعتماد سكان غزة بشكل شبه كامل على التطبيقات البنكية والتحويلات المالية نتيجة أزمة السيولة الحادة.
وقال: إن بعض المواطنين اضطروا إلى استخدام حسابات الغير أو "استئجار حسابات" لتلقي المساعدات والحوالات القادمة من الخارج بسبب القيود المفروضة، معتبرًا أن ذلك يعكس حجم الأزمة المالية والمعيشية التي يعيشها القطاع.
وانتقد أبو شاويش ما وصفه بـ"الصمت" من سلطة النقد الفلسطينية، مؤكدًا أن المواطنين لم يتلقوا أي توضيحات رسمية بشأن أسباب التجميد أو آليات المعالجة، رغم أن سلطة النقد هي الجهة الرقابية المشرفة على المصارف الفلسطينية.
من جهتها، قالت المواطنة وردة رضوان، إن إجراءات التجميد توسعت لتشمل ليس فقط حسابات الأفراد والموظفين، بل أيضًا حسابات مؤسسات إغاثية وصحية تقدم خدمات إنسانية في قطاع غزة.
واعتبرت رضوان أن هذه السياسات تمثل "إجراءات تعسفية" لا تراعي الظروف الكارثية التي يعيشها السكان، خاصة مع غياب الدخل وتوقف الحركة الاقتصادية واعتماد المواطنين الكامل على المساعدات المالية والتحويلات الخارجية.
وأضافت أن القيود المفروضة على فتح الحسابات، بما في ذلك اشتراط صلاحية الهويات الشخصية ضمن مدد محددة، خلقت صعوبات إضافية أمام المواطنين الذين فقد كثير منهم أوراقهم الرسمية خلال الحرب والنزوح.
ودعت رضوان البنوك وسلطة النقد إلى تبني "سياسة تضامنية" تعزز صمود السكان بدلًا من زيادة الضغوط الاقتصادية عليهم، مؤكدة أن غزة تحتاج إلى إجراءات استثنائية تتناسب مع حجم الكارثة الإنسانية والاقتصادية القائمة.
أما الدكتورة كفاح الرملي فاعتبرت أن ما يجري يمثل "سياسة ممنهجة" للتضييق على المواطنين في ظل نقص السيولة وتراجع القدرة على تداول النقد، مشيرة إلى أن حسابات أفراد من عائلتها تعرضت للتقييد أكثر من مرة "بحجج واهية" على حد وصفها.
وقالت إن هذه الإجراءات انعكست بشكل مباشر على حياة الأسر والأطفال والقدرة على توفير الاحتياجات الأساسية، متهمة الجهات المسؤولة بعدم مراعاة الظروف القاسية التي يعيشها سكان القطاع.
أما المواطنة فدوى أبو شرخ، فعبّرت عن غضبها من استمرار تجميد الحسابات البنكية في ظل تفاقم الأوضاع الإنسانية، مؤكدة أن كثيرًا من الأسر لم تعد قادرة على الوصول إلى أموالها أو توفير احتياجاتها اليومية الأساسية.
وطالبت بوقف ما وصفته بـ"الاستهتار بأموال الشعب الفلسطيني"، معتبرة أن أزمة تجميد الحسابات، إلى جانب أزمة السيولة النقدية، فاقمت حالة الشلل الاقتصادي والمعيشي في قطاع غزة