سؤال يتردد على ألسنة الناس في غزة وخارجها: هل ستعود الحرب على القطاع بنفس القوة والوحشية التي شهدناها؟ وهل بقي أصلًا شيء في غزة لم يُدمّر؟
فبعد شهور طويلة من القصف والدمار والقتل والنزوح، تبدو غزة وكأنها خرجت من كارثة إنسانية غير مسبوقة. أحياء كاملة أُزيلت من الوجود، وآلاف المنازل سُويت بالأرض، والبنية التحتية انهارت، والجامعات والمستشفيات والمساجد والمدارس تعرضت للتدمير، ومئات آلاف العائلات فقدت بيوتها وأمانها وأحبتها، حتى بات المشهد العام في القطاع أقرب إلى مدينة منكوبة خرجت من حرب عالمية، لا من مواجهة محدودة جغرافيًا.
ووفق آخر إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية، فقد تجاوز عدد الشهداء 72 ألف شهيد، وتخطى عدد الجرحى 172 ألف مصاب، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود ما زالوا تحت الأنقاض أو مجهولي المصير حتى اللحظة، فضلًا عن آلاف الأسرى والمعتقلين داخل سجون الاحتلال منذ بداية الحرب. هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم المأساة الإنسانية، بل تكشف أن قطاع غزة يعيش واحدةً من أكثر الحروب دمويةً وتدميرًا في العصر الحديث.
ولهذا يتساءل كثيرون: ما الذي يمكن أن تستهدفه حرب جديدة أصلًا، بعدما تحولت أجزاء واسعة من القطاع إلى ركام؟ وهل بقي شيء لم يُستهدف بعد؟
ورغم هذا الحجم الهائل من الدمار، ما زال الخطاب الإسرائيلي والأمريكي يتحدث عن "السلاح"، وكأن غزة تملك ترسانة نووية أو صواريخ باليستية عابرة للقارات تهدد استقرار العالم. بينما الحقيقة التي يعرفها الجميع أن غزة المحاصرة منذ سنوات طويلة لا تمتلك ما تمتلكه الدول الكبرى من جيوش وأنظمة ردع استراتيجية، بل إن أغلب ما يُطرح إعلاميًا حول "الخطر الوجودي" يبدو أحيانًا محاولةً مستمرة لتبرير الحرب وإطالة أمدها، وإقناع العالم بأن ما يجري ضرورة أمنية لا كارثة إنسانية.
إن المقارنة بين طريقة الحديث الغربي عن غزة وبين تعامله مع ملفات دولية أخرى، كالمشروع النووي الإيراني أو سباقات التسلح العالمية، تكشف حجم التناقض السياسي والإعلامي. فحين تُقدَّم أسلحة خفيفة أو وسائل مقاومة محدودة داخل أرض محتلة على أنها تهديد عالمي يستوجب كل هذا الدمار، فإن السؤال الحقيقي يصبح: هل القضية فعلًا قضية سلاح؟ أم أن هناك هدفًا أعمق يتعلق بكسر إرادة الفلسطيني وإنهاء أي قدرة لديه على الصمود أو الرفض أو التمسك بحقوقه الوطنية والإنسانية؟
كثير من الفلسطينيين باتوا يرون أن الحرب لم تعد تستهدف فقط البنية العسكرية أو الفصائل المسلحة، بل أصبحت تستهدف الإنسان الفلسطيني نفسه؛ وعيه، ونفسيته، وقدرته على الاستمرار في الحياة. فحين يُحاصر الإنسان في غذائه ومائه ودوائه وتعليمه وبيته ومستقبله، ثم يُطلب منه أن يتخلى أيضًا عن إرادته وكرامته، تصبح القضية أبعد من مجرد صراع عسكري أو أمني.
والأخطر من ذلك أن كثيرًا من الناس في غزة يخشون اليوم من سيناريو عودة الحرب بكل قوتها، بعد الضغوط الكبيرة التي مورست في ملفات التفاوض وتبادل الأسرى، دون وجود ضمانات حقيقية وملزمة تمنع استئناف الحرب بصورة أوسع. فالكثيرون يرون أن أي اتفاق لا يتضمن وقفًا حقيقيًا وشاملًا للحرب، ولا يضمن حماية المدنيين وإنهاء العدوان، يبقى اتفاقًا هشًا يمكن أن ينهار في أي لحظة.
ولهذا، فإن المخاوف الشعبية تتزايد من أن تعود الحرب بعد استكمال بعض التفاهمات أو عمليات تبادل الأسرى، خاصةً في ظل التصريحات الإسرائيلية المتكررة التي تتحدث عن استكمال العمليات العسكرية. ويرى كثيرون أن الدول والجهات الضامنة لأي اتفاق تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية كبيرة في حال عادت الحرب مجددًا؛ لأن الضمان الحقيقي لا يكون فقط بإتمام صفقات التبادل، بل بوقف نزيف الدم وحماية المدنيين ومنع تكرار المأساة.
لقد تحولت غزة خلال الحرب إلى مساحة اختبار قاسية لإنسانية العالم. فالطفل الذي يبحث عن الطعام وسط الركام، والأم التي تنتظر دواءً مفقودًا، والطالب الذي فقد جامعته ومستقبله، والعائلة التي تعيش داخل خيمة ممزقة؛ كلهم أصبحوا جزءًا من معركة يومية من أجل البقاء. وحتى الذين نجوا من القصف المباشر، يعيشون اليوم حربًا نفسية وإنسانية مفتوحة عنوانها الخوف والجوع والنزوح وفقدان الأمان.
ورغم كل هذا، بقي الفلسطيني متمسكًا بحقه في الحياة. ما زالت العائلات تحاول النجاة وسط الركام، وما زال الأطفال يحاولون البحث عن لحظة فرح صغيرة وسط هذا الخراب الهائل، وما زالت أصوات الحياة تظهر من بين الأنقاض، وكأن غزة تصر على أن تبقى حية رغم كل ما تعرضت له.
إن ما يجري في غزة اليوم يتجاوز حدود المعركة العسكرية التقليدية، ليصبح معركةً على الإنسان نفسه؛ على ذاكرته، ووعيه، وكرامته، وإرادته في البقاء. فالقضية لم تعد فقط ما إذا كانت الحرب ستعود أم لا، بل ماذا سيبقى من الإنسان الفلسطيني إذا استمر هذا العالم في التعامل مع غزة باعتبارها مجرد ملف أمني، لا وطنًا يعيش فيه أكثر من مليوني إنسان لهم الحق في الحياة والكرامة والأمان.

