يكرس حزب الله في مواجهته مع جيش الاحتلال الإسرائيلي تكتيكات قتالية تقوم على الاستنزاف والكمائن والضربات الدقيقة، في ظل المواجهات المستمرة على جبهة جنوب لبنان منذ مارس الماضي. ومع تصاعد العمليات العسكرية المتبادلة، تظهر المعارك قدرة الحزب على مواصلة نشاطه الميداني وتنفيذ عمليات متكررة على طول المناطق الحدودية الجنوبية.
منذ بدء العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان في 2 مارس 2026، تحولت الجبهة الجنوبية إلى ساحة اشتباك مفتوحة تمتد على طول القرى الحدودية.. الغارات الجوية والقصف المدفعي طال مناطق سكنية وبنى تحتية، ما أدى إلى ارتقاء مئات الشهداء ونزوح واسع، في محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك ميدانيا.
ورغم شدة هجمات الاحتلال الإسرائيلي، لم تتوقف العمليات المتبادلة، بل توسعت لتشمل محاور متعددة على طول الحدود، وتظهر المعطيات الميدانية أن القتال لم يعد محدودا بنقاط تماس ثابتة، بل أصبح نمطا يوميا من الاستهداف والرد المتبادل.
في أحدث عملياته، أعلن حزب الله تنفيذ ثلاث هجمات يوم أمس، استهدفت مواقع وآليات لقوات الاحتلال في قضاء مرجعيون جنوب لبنان، وشملت العمليات تدمير جرافة عسكرية من نوع D9 قرب بلدة دير سريان بمسيرة انقضاضية، إضافة إلى استهداف مقر قيادي في مدينة الخيام بطائرتين مسيرتين، وقصف تجمع لآليات الاحتلال قرب البلدة بالمدفعية.
أما السبت، فنفذ حزب الله 20 عملية عسكرية على طول الجبهة الجنوبية، تنوعت بين الصواريخ والمدفعية واستهداف الآليات. ومن أبرزها عملية "الصقور" التي أصابت دبابة ميركافاه داخل موقع نمر الجمل قرب علما الشعب، وأدت إلى إخراجها عن الخدمة، وسط مشاهد أظهرت ارتباكا في صفوف جنود الاحتلال.
كما شملت عمليات السبت استهداف مقاتلي الحزب تجمعات قوات الاحتلال في رشاف والبياضة وبيوت السياد، ما يعكس اتساع نطاق الاشتباك وتعدد المحاور النشطة.
الدفاع المرن وتكتيك الكمائن
ويرى الخبير العسكري العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن حزب الله انتقل إلى نموذج الدفاع المرن، القائم على الكمائن المتحركة والانتشار غير الثابت، ما يقلل من فعالية التفوق الجوي الإسرائيلي، مشيرا إلى أن هذا النمط يعتمد على استيعاب الضربة ثم الرد التدريجي بدل المواجهة المباشرة.
ويضيف أن توزيع الوحدات الصغيرة والاعتماد على التخفي والتضاريس يجعل استهداف الحزب أكثر صعوبة، خصوصا مع استمرار الغارات المكثفة. كما يعتبر أن هذا الأسلوب يندرج ضمن المدرسة الشرقية في القتال، التي تقوم على الاستنزاف وإطالة أمد المعركة بدل الحسم السريع.
ويرى ملاعي في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن هذا النموذج يمنح حزب الله قدرة على إعادة التموضع بسرعة بعد كل استهداف، ما يحافظ على استمرارية عملياته رغم الضغط العسكري الإسرائيلي الكبير.
حرب هجينة واستنزاف طويل
الخبير في الشؤون العسكرية د. محمد هزيمة، يقدم قراءة موسعة لطبيعة المواجهة الجارية في جنوب لبنان، معتبرا أن حزب الله نجح في تطوير نموذج قتالي مركب يجمع بين الحرب التقليدية والحرب الهجينة، بما يتيح له العمل تحت ضغط ناري كثيف دون فقدان القدرة على المبادرة.
ويشير هزيمة لـ"فلسطين"، إلى أن هذا النموذج لا يقوم على المواجهة المباشرة، بل على توزيع القوة القتالية ضمن وحدات صغيرة مرنة قادرة على الحركة السريعة وإعادة التموضع، ما يمنحها قدرة على امتصاص الضربات ثم تنفيذ ردود دقيقة ومحددة ضد أهداف عسكرية إسرائيلية.
ويضيف أن أحد أبرز عناصر هذا التحول يتمثل في اللامركزية العملياتية، حيث لم تعد القرارات محصورة في مركز قيادة واحد، بل باتت تمنح صلاحيات ميدانية أوسع للوحدات القتالية، ما يقلل زمن الاستجابة ويزيد من فعالية التحرك تحت الضغط.
ويؤكد أن استمرار العمليات النوعية رغم كثافة الغارات الجوية الإسرائيلية يعكس أن منظومة القيادة والسيطرة لدى حزب الله لا تزال تعمل بكفاءة، رغم محاولات الاستهداف المتكرر للبنية العسكرية والاتصالية للحزب.
ويرى أن استخدام المسيرات الدقيقة، خصوصا العاملة بتقنيات متقدمة مثل الألياف الضوئية، ويشير إلى تطور واضح في أسلوب إدارة المعركة، حيث بات بالإمكان تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف مدرعة ومتحركة داخل العمق الميداني.
أنماط قتال تطيل امد المواجهة
ويضيف هزيمة، أن هذه القدرات لا تعمل بشكل مركزي تقليدي، بل ضمن منظومة تشغيل وتخزين موزعة، ما يصعب على جيش الاحتلال الإسرائيلي تحديد مصادر التهديد أو تدميرها بشكل كامل.
كما يشير إلى أن هذا النمط من العمل العسكري يهدف إلى خلق حالة دائمة من الاستنزاف، حيث تستهدف آليات الاحتلال ومواقعه بشكل متكرر لإرهاق قوات الاحتلال ماديا ونفسيا، وإطالة أمد المواجهة على الأرض.
ويعتبر أن حزب الله لا يسعى إلى حسم سريع بقدر ما يعتمد على استنزاف تدريجي يراكم الخسائر لدى الاحتلال الإسرائيلي، سواء عبر استهداف المعدات أو من خلال الضغط الميداني المستمر على طول الجبهة.
ويؤكد أن صمود مقاتلي حزب الله في ظل القصف الإسرائيلي المكثف يعود إلى خبرة تراكمية طويلة في إدارة المعارك غير المتكافئة، إضافة إلى التدريب المستمر على أساليب القتال المرن، ما يتيح الحفاظ على الجهوزية حتى في أصعب الظروف.
ويذهب هزيمة إلى أن استمرار هذه المعادلة القتالية يعكس تحولا في طبيعة الحرب جنوب لبنان، حيث لم تعد المواجهة تقليدية، بل أصبحت نموذجا معقدا من الاستنزاف المتبادل، تتداخل فيه التكنولوجيا مع التكتيك والمرونة الميدانية، ما يجعل الحسم السريع خيارا غير واقعي في المدى المنظور

