قائمة الموقع

عمر الأزرق.. صياد فقد قدمه في البحر وبات ينتظر فرصة للحياة

2026-05-10T12:51:00+03:00
الصياد عمر الأزرق
فلسطين أون لاين

في كل صباح، كان الشاب عمر محمد الأزرق يحمل شباكه القليلة، ويجرّ "الحسكة" الخشبية الصغيرة نحو بحر مخيم النصيرات، كأنه يجرّ معها أحلام طفليه ولقمة عيش عائلته.

لم يكن عمر، البالغ من العمر 27 عامًا، يعرف طريقًا آخر للحياة سوى البحر. فمنذ سنوات، اعتاد الاستيقاظ قبل شروق الشمس، يودّع طفليه، وينطلق نحو الأمواج باحثًا عن رزق بالكاد يسد جوع أسرته.

وعلى الرغم من الحرب الإسرائيلية التي أطبقت على قطاع غزة، لم يتوقف عن الذهاب إلى البحر، فالجوع – كما يقول – لا ينتظر انتهاء الحرب، والأطفال لا يفهمون معنى الحصار أو القصف، بل يفهمون فقط أن يجدوا الطعام في نهاية اليوم.

ويعمل عمر في مهنة الصيد منذ عام 2017، حتى صار البحر جزءًا من يومه وروحه. كان يعتقد أنه حفظ طباعه، وصادق أمواجه، وفهم متى يغضب ومتى يهدأ، لكنه لم يكن يتوقع أن يتحول البحر ذاته إلى ساحة موت مفتوحة.

وفي صباح الأول من يناير/ كانون الثاني 2024، خرج كعادته إلى البحر، حمل احتياجاته البسيطة، وجرّ "الحسكة" إلى الماء، ثم بدأ يجدّف بهدوء مبتعدًا عن الشاطئ. ولم يكن قد تجاوز خمسين مترًا داخل البحر، حتى باغتته قذيفة أطلقها زورق حربي إسرائيلي.

في لحظة واحدة، تبدّل كل شيء.

يتوقف عمر طويلًا قبل أن يستعيد تلك اللحظات، ثم يقول لصحيفة "فلسطين" بصوت متقطع تغلبه الدموع: "كنت قد تصادقت مع البحر وأمواجه لأأمن غدره، ونسيت غدر الاحتلال الذي يترصد بنا في كل وقت. كان مشهدًا لا يوصف أن ترى قدمك تُقطع أمام عينيك وتغرق في البحر".

ويتابع محاولًا تمالك نفسه: "سقطت عن الحسكة بفعل قوة الانفجار، ولم أستطع إنقاذ قدمي، ولا حتى الحسكة.. خسرت الاثنتين معًا، وخسرت مهنتي التي عشت منها".

ولم تكن الإصابة مجرد جرح عابر، فقد بُترت قدمه اليسرى على الفور، فيما أصيبت قدمه اليمنى بشظايا وكسور جعلتها بالكاد قادرة على حمله.

وبين صدمة النزيف وألم الانفجار، وجد نفسه وحيدًا وسط البحر يصارع الموت بكل ما تبقى فيه من قوة.

يروي عمر تلك الدقائق الثقيلة وكأنها عمر كامل، قائلًا: "كنت أشعر أنني أغرق ببطء، لكنني كنت أفكر فقط بأطفالي، وحاولت بكل قوتي أن أصل إلى الشاطئ".

وبجسد أنهكه النزيف، سبح قرابة خمسين مترًا حتى تمكن من الوصول إلى البر، حيث سارع مواطنون إلى إسعافه ونقله للعلاج.

لكن رحلة الألم لم تنتهِ عند الشاطئ.

فمع الاكتظاظ الكبير داخل المستشفيات خلال الحرب، مكث عمر شهرًا كاملًا في المستشفى الأوروبي دون تلقي العلاج المناسب، بسبب الأعداد الهائلة من الجرحى والمصابين.

يصمت قليلًا، ثم يقول بنبرة مثقلة بالقهر: "الحمد لله على كل حال، وحسبي الله ونعم الوكيل فيمن حرمني رجلي وعملي، وقطع رزق أولادي. منذ لحظة الإصابة شعرت أن كل شيء انتهى، ولم يبقَ لي شيء أتمسك به".

واليوم، يعيش عمر واقعًا بالغ القسوة؛ فلا هو قادر على العودة إلى البحر الذي أحبه منذ طفولته، ولا استطاع الحصول على طرف صناعي يساعده على استعادة جزء من حياته. وحتى محاولات التأهيل الطبي لم تنجح، لأن قدمه اليمنى المصابة لا تستطيع الاعتماد عليها بشكل كامل.

ويزيد من معاناته الوضع المادي الصعب، وعدم قدرته على السفر رغم حصوله على تحويلة طبية لاستكمال علاجه في الخارج، في ظل غياب من يمد له يد العون أو يساعده على تجاوز محنته.

ورغم كل ذلك، لا يزال يتمسك بخيط أمل صغير.

أمنية عمر، كما يقول، ليست كبيرة؛ فقط أن يعيش باستقرار، وأن يتمكن من الاعتماد على نفسه مجددًا، وأن يحصل على طرف صناعي مقاوم للماء يساعده على العودة إلى البحر.

ويبتسم بحزن وهو يتحدث عن الصيد، ثم يقول: "البحر بالنسبة إليّ ليس مجرد عمل.. البحر حياتي كلها. أتمنى أن أعود إليه يومًا، وأن أستطيع توفير لقمة عيش كريمة لأولادي بيدي، بدل أن أبقى عاجزًا عن مساعدتهم"

اخبار ذات صلة