وسط الظروف الاقتصادية والمعيشية القاسية التي يعيشها قطاع غزة، نجح المزارع محمود زعرب في تحويل مخلفات علب المعلبات المعدنية إلى "قواوير" زراعية تُستخدم لزراعة النعنع والورود والنباتات المنزلية، في تجربة بسيطة تحمل أبعادًا بيئية واقتصادية وإنسانية في آنٍ واحد.
وداخل مشتله المتواضع، يجمع زعرب العلب المعدنية الفارغة التي كانت تُلقى سابقًا كنفايات صلبة، ليعيد تنظيفها وتجهيزها وتحويلها إلى أوعية زراعية صغيرة تُستخدم لزراعة الأشتال والنباتات العطرية.
ويقول إن الفكرة جاءت نتيجة النقص الكبير في المستلزمات الزراعية وارتفاع أسعار القواوير البلاستيكية، إلى جانب رغبته في الاستفادة من المخلفات المتراكمة في الشوارع ومحيط مناطق النزوح.
ويوضح زعرب لصحيفة "فلسطين" أن إعادة استخدام العلب المعدنية لا تقتصر على تقليل حجم النفايات، بل توفر أيضًا بديلًا منخفض التكلفة يمكن للمواطنين اقتناؤه بسهولة، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بعد الحرب الإسرائيلية المدمرة على قطاع غزة.
ويضيف أن المشروع تطور تدريجيًا بعدما لاقت القواوير المعدنية إقبالًا من المواطنين، الذين وجدوا فيها وسيلة بسيطة لزراعة النعنع وبعض النباتات فوق أسطح المنازل وأمام الخيام وداخل أماكن النزوح، لإضفاء شيء من الحياة والخضرة على واقع يملؤه الدمار.
ولا تتوقف الفكرة عند الجانب البيئي فقط، بل تحولت إلى مصدر دخل لعدد من الشبان العاطلين عن العمل، الذين يشترون الأشتال والقواوير من المشتل، ثم يتجولون بها داخل الأحياء عبر عربات مجرورة لبيعها بأسعار زهيدة للمواطنين.
ويقول الشاب حسين الأخرس، أحد العاملين في تسويق الأشتال، إنه وجد في هذا العمل فرصة تساعده على توفير جزء من احتياجات أسرته في ظل انعدام فرص العمل.
ويوضح: "الحرب تركت معظم الشباب بلا عمل، وأصبح الجميع يبحث عن أي مصدر رزق، حتى لو كان بسيطًا"، مضيفًا وهو يدفع عربته بين الطرقات الرملية: "أشتري الأشتال والقواوير من المشتل، وأتجول بها بين الخيام، فالكثير من الناس يحبون زراعة النعنع أو وضع نبتة خضراء أمام الخيمة".
ويشير الأخرس إلى أن الإقبال على شراء الأشتال يزداد رغم الظروف الصعبة، لأن المواطنين يحاولون التمسك بأي مظهر من مظاهر الحياة الطبيعية، قائلًا: "الناس تعبت من الحرب والدمار، وعندما يشاهدون نبتة خضراء أو وردة صغيرة يشعرون ببعض الأمل".
ويرى مختصون أن مثل هذه المبادرات الصغيرة تعكس قدرة الفلسطينيين في غزة على تحويل الأزمات إلى فرص للبقاء، من خلال مشاريع بسيطة تعتمد على إعادة التدوير والابتكار المحلي، في ظل الحصار ونقص الموارد