قائمة الموقع

طالب الطب "أنس العطار".. كان يذاكر للإسعافات الأولية فوجد الامتحان بين أنقاض عائلته

2026-05-09T12:13:00+03:00
صورة للعائلة
فلسطين أون لاين

بعد يومٍ قضاه أبناء العائلة في لعب كرة الطائرة أمام منزلهم، يوم 5 مايو/أيار 2025، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وبينما كان أنس العطار، طالب طب الأسنان، يتنافس مع أقاربه وسط أجواء من المرح النادر، كانت جدته الحاجة أم يعقوب تراقب ضحكاتهم وصيحاتهم، في لحظات انتزعتهم مؤقتًا من أجواء الحرب والقصف، ومنحتهم مساحة قصيرة للتنفس والحياة.

مع حلول المساء، غادر الجميع المكان خوفًا من أي استهداف، دون أن يدركوا أنها كانت "ساعات الوداع الأخيرة". كانت الساعة تقترب من الواحدة فجرًا، وبينما كان أنس يذاكر لاختبار "الإسعافات الأولية"، لم يكن يعلم أن امتحانًا ميدانيًا حقيقيًا ينتظره بعد دقائق، وسط أمطار غزيرة وصوت طائرة "كواد كابتر" يحوم في السماء كأنه نذير شؤم.

ويروي، بذاكرة مثقلة بالرعب، لصحيفة "فلسطين": "كنت أذاكر للامتحان داخل بيتنا المكوّن من ثلاثة طوابق، وكان صوت مراوح طائرة "الكواد كابتر" مرتفعًا جدًا. أيقظت أبي وأمي وبدأنا نراقب حركتها، فكانت تحلّق فوق بيت عمي. فجأة رأينا وميضًا حجَب الرؤية، أعقبه دخان كثيف وصوت انفجار هائل، ثم صراخ أمي: "فينا.. فينا".

لحظات مرعبة

يقول أنس إن تلك اللحظات ما تزال تطارده حتى اليوم: "اشتعلت النيران، وبدأت الحجارة تتطاير فوقنا، فيما غطّت سحابة الدخان المكان والغرف. دخلت إلى غرفة إخوتي الصغار فوجدت الحجارة تتساقط عليهم، لكنهم كانوا بخير. بعدها نزلت إلى شقة أختي فوجدتها غارقة بالركام".

ويتابع وصف المشهد: "لم أكن أستطيع الرؤية من شدة الدخان. خرجت حافي القدمين، وانتظرت قليلًا حتى بدأت الرؤية تتضح، فلم أجد بيت عمي. بدأت أصرخ بأسمائهم: عمي.. حمزة.. سارة.. جنى. بعدها وجدت عمي بعيدًا عن الغرفة التي كان ينام فيها، وكان عمود إسمنتي يضغط على قدمه اليسرى، فرفعته عنه. كما وجدت ابنته سارة تحت العمود نفسه وفي حضن والدها وهي مصابة".

قبل لحظات فقط، كان أنس يراجع دروس الإسعافات الأولية ضمن متطلبات دراسته الجامعية، ليجد نفسه فجأة أمام تدريب عملي قاسٍ، وهو يرى عمه يلتقط أنفاسه الأخيرة. يقول:

"أجريت له تنفسًا اصطناعيًا، ثم تجمع الجيران ونقلوه بسيارة الإسعاف إلى المستشفى. بعدها عدنا ورفعنا العمود عن سارة، وبدأنا نبحث عن شقيقتها جنى فوجدناها شهيدة. كما وجدنا جدتي قد قُذفت بفعل الانفجار لمسافة تقارب 25 مترًا، بينما كان جدي عالقًا تحت عمود باطون، فقمنا برفعه وهو مصاب. كذلك وجدنا ابن عمي يوسف شهيدًا".

الاختبار الحقيقي

يصف أنس ما عاشه بأنه "الاختبار الحقيقي" للإسعافات والطوارئ، مضيفًا: "وجدت في فم ابنة عمي حجارة، فأجريت لها إسعافات أولية، وأزلت الحجارة من عينها حتى وصلت سيارة الإسعاف. وعندما وصلنا إلى المستشفى، بقينا نساعد الممرضين والأطباء".

وأمام الجثامين المتراصة، وقف أنس يودّع جدته الحاجة فاطمة العطار "أم يعقوب"، وعمه الشهيد يعقوب العطار "أبو يوسف"، وابن عمه يوسف (27 عامًا)، وابنة عمه الطفلة جنى (16 عامًا).

ويعلّق العطار على تحوّل الاختبار من النظري إلى الميداني قائلًا: "كان التحدي الأكبر هو الانتقال من الدراسة الإلكترونية إلى الواقع الميداني. ففي جامعة فلسطين، كان من المفترض أن تكون مادة الإسعافات الأولية مجرد اختبار نظري عبر الشاشة، لكن القدر جعل الامتحان الحقيقي في ساحة منزلنا".

ويضيف أن الانتقال من نظريات "الضغط على الصدر"، و"وضعية الإفاقة"، و"تثبيت الكسور"، التي لم يتمكن من تطبيقها عمليًا بسبب الحرب، إلى ممارستها على أفراد من عائلته، كان صادمًا وقاسيًا.

ويتابع: "حاولت تنفيذ ما أعرفه لتقليل الضرر قدر الإمكان، لكن إرادة الله كانت أقوى. استُشهد عمي، بينما نجت ابنة عمي سارة، لكنها ما زالت تعاني من آثار الإصابة، ومؤخرًا فقط استطاعت المشي بعد عام من العلاج".

ويصف تلك اللحظة بأنها "اختبار للأعصاب قبل الذاكرة"، إذ شكّل تطبيق الإنعاش القلبي الرئوي (CPR) وتثبيت الكسور تحت القصف تحديًا نفسيًا هائلًا. ومع ذلك، استطاع العطار تجاوز الخوف والتوتر، وتحويل البحث الجامعي المطلوب منه حول "حياة المسعف الأولي في ظل الحرب في قطاع غزة" إلى تجربة إنقاذ حقيقية داخل عائلته.

وفي المنزل المجاور، كانت هناك إصابات أخرى. فقد تعرّض جده لكسر في الصدر والقدم، فقدم له الإسعافات اللازمة، كما ساعد في إخراج ابنة عمه فاطمة من تحت الركام بعدما كانت فاقدة للوعي.

ويستذكر: "أزلت الأجسام العالقة من مجرى التنفس لديها، ما ساعدها على استعادة تنفسها، كما نظفت الرمل والحصى من عينيها، وثبّتُّ كسرًا في قدمها".

ورغم الفقد، واقتراب "الخط الأصفر" من منزلهم لمسافة لا تتجاوز ثلاثين مترًا، وبعد مرور عام على المجزرة، ما تزال عائلة العطار متمسكة بأرضها، رافضة النزوح مجددًا.

ويقول أنس بإصرار: "الخطر ما زال قائمًا، والذكريات المؤلمة تسكن كل زاوية، لكن البقاء في منطقتنا، العطاطرة، جزء من كينونتنا. مرت الذكرى السنوية الأولى ونحن هنا، نلملم جراحنا ونثبت للعالم أن الأرض لأصحابها مهما اشتد الاستهداف".

لم تعد الحياة كما كانت؛ فقد تغيرت ملامح الشوارع والوجوه، لكن "إرادة الحياة" بقيت صامدة، فيما يواصل السكان صراعهم اليومي لإعادة بناء ما تهدّم تحت الركام.

اخبار ذات صلة