فلسطين أون لاين

بالصور 40 عملية لم تشفِ جراحه... "جهاد" ضحية وقف إطلاق نار دامٍ

...
جهاد راجح (17 عامًا)، من سكان حي الدرج في قلب مدينة غزة، فتى كان يحمل الكثير من الطموح والأمل، قبل أن يُصاب بجروحٍ خطيرة
غزة/ أدهم الشريف:

لم يسمع صوت الانفجار، فقط شعر بموجةِ ضغطٍ شديدةٍ ألقته بعيدًا، وشظايا ملتهبة اخترقت جسده الضعيف بعنفٍ ومزقته. لحظة واحدة كانت كافية لتمحو ساقه اليسرى من جسده، وتتركه ممددًا على الأرض دون أن ينبس ببنت شفة.

صباح العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2025، اليوم الأول لسريان وقف إطلاق النار في غزة، لم يكن بدايةً للنجاة بعد عامين من حرب الإبادة، بل بداية قصة فقدٍ جديدة لفتى ما يزال في بداية حياته.

جهاد راجح (17 عامًا)، من سكان حي الدرج في قلب مدينة غزة، فتى كان يحمل الكثير من الطموح والأمل، قبل أن يُصاب بجروحٍ خطيرة قلبت حياته رأسًا على عقب، إثر قصف إسرائيلي استهدف مجموعة من المواطنين بعد ساعات من سريان وقف إطلاق النار.

a8482338-d40a-4650-bfcc-cd980d27de1b.jfif

قال لصحيفة "فلسطين" بصوت خافت: "غمرتني السعادة عندما قالوا إن الحرب انتهت. غادرت بيتي بعد ساعات لتفقد منزل أقاربي في حي التفاح شرقي المدينة، وعندما أدركت أنه ليس بإمكاني الوصول إليه، قررت العودة إلى بيتي".

لكنه لم يكن مدركًا أن السماء الملبدة بدخان الحرب لم تغادرها بعد طائرات الاحتلال ومُسيَّراته الحربية.

في ذلك اليوم المُثقل بالخروقات الإسرائيلية، كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحًا، عندما حدث ما لم يتوقعه جهاد، ولم يكن يتمناه يومًا ما.

355781b8-4215-4eac-899a-73c92de732ab.jfif

طائرة حربية من دون طيار، يطلق عليها الغزيون "الزنانة" لصوت أزيزها المزعج، والذي يشير سماعه إلى نذير شؤم يحلق في الأجواء، أطلقت صاروخًا واحدًا على الأقل، سقط بجواره، وتناثرت شظاياه واخترقت كل ما في طريقها.

"لا أعرف كيف وجدت نفسي ملقى على الأرض.. رأيت ساقي اليسرى وقد انفصلت عن جسدي، أدركت عندها أنني تعرضت لقصف"، يشرح اللحظات الأولى لإصابته، حينما كان يتأمل ما تبقى من جسده.

كان ينزف بشدة عندما اقترب منه مواطنون، وتمكنوا من انتشاله ونقله إلى المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" وسط مدينة غزة. هناك، هرع الأطباء، وعندما وجدوا أن حالته حرجة، أدخلوه على الفور إلى غرفة العمليات، بينما كان فاقدًا للوعي تمامًا.

10.png
جهاد كان شابا رياضيا يافعا قبل أن يصاب وتتحول حياته رأسا على عقب

النزيف الحاد، وتأثير الصدمة، والتهتكات الشديدة التي أصابت ذراعيه، والتي بدت للوهلة الأولى غير قابلة للإنقاذ، وضعت الأطباء في سباق مع الزمن لإنقاذ حياة جهاد قبل فوات الأوان.

واضطر الأطباء إلى إجراء سلسلة من العمليات لوقف النزيف في ساقه المبتورة من أعلى مفصل الركبة، ومن أجل الحفاظ على ذراعيه، بلغ عددها 40 عملية جراحية، تخللتها مواقف ولحظات حرجة كادت أن تودي بحياته.

وبينما استطاع الأطباء إبقاء ذراعيه رغم الأضرار البالغة، كانت ساقه المبتورة واقعًا لا يمكن تغييره.

بعد ثمانية أشهر من إصابته، ما تزال ذراعاه ملفوفتين بضمادات سميكة، في انتظار مراحل علاجية أكثر تعقيدًا، لا تتوفر لها الإمكانات والأجهزة الطبية الملائمة في مستشفيات غزة، جراء الاستهداف الإسرائيلي المتعمد إبّان الحرب.

داخل منزله الكائن بحي الدرج في قلب مدينة غزة، يستلقي جهاد على أريكة قديمة، يتفحص بعينين يطل منهما أسىً ثقيل ساقه المبتورة وذراعيه المكبلتين. يمسك بأطراف أصابعه هاتفه ويقلب صورًا قديمة يحتفظ بها، ليستعيد ذكريات جميلة مضت من حياته ولن تعود، حين كان يلعب كرة القدم، ويشاركه أصدقاؤه فرحته بتسجيل الأهداف.

b4a7602a-2f53-4d34-a79d-08310c40a62a.jfif

مأساة هذا الجريح لا تقتصر على جسده المقيد بفراش منزله أو كرسيه المتحرك، الذي يتنقل بواسطته بين المستشفيات بحثًا عن العلاج، بل يعاني أيضًا نقص الرعاية الطبية المتخصصة في وجود نظام صحي مثقل بالدمار ونقص الإمكانات، ما جعل الحياة اليومية بالنسبة له تحديًا مضاعفًا إلى جانب الألم الجسدي.

يقول جهاد: "خلال الحرب كنت أساعد عائلتي في أمور كثيرة، أحضر لهم المياه، وأوفر احتياجاتها، واليوم أصبحت بحاجة إلى مساعدتهم في كل شيء؛ حين أتناول الطعام والشراب، وعندما أريد الذهاب إلى دورة المياه... صرت أعتمد على أفراد عائلتي كليًا، ولا أستطيع فعل شيء دونهم".

أيام الأسبوع لم تعد كما كانت بالنسبة للفتى الجريح، إذ يرافقه والده محمود راجح (40 عامًا) يومي السبت والاثنين إلى المستشفى المعمداني لجلسات تصوير بالأشعة ومراجعة قسم العظام، وكذلك يذهب به بواسطة كرسيه المتحرك يومي الأحد والأربعاء إلى مقر منظمة أطباء بلا حدود من أجل جلسات علاج طبيعي، وإجراء تنظيفات لجروحه، فيما يخضع يومي الثلاثاء والخميس لجلسات تأهيل في مركز الأطراف الصناعية التابع لبلدية غزة، من أجل تركيب طرف صناعي.

بصوت حمل الكثير من اليأس، واصل جهاد حديثه: "لم تكن حياتي هكذا؛ قبل الإصابة كنت منتظمًا في دراستي، وتمكنت من حفظ القرآن كاملًا بعمر 10 أعوام. كنت ألعب كرة القدم وأسجل الأهداف وأحتفل مع أصدقائي.. قضيت أوقاتًا ممتعة معهم، لكن الإصابة غيرت معالم حياتي، وأصبحت أيامي كلها مثقلة بجروح لا تندمل، وآلام شديدة لا تفارقني".

حصل جهاد على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، كانت بارقة أمل تمسكت بها العائلة، لكن هذا الأمل ظل معلقًا، ولم يتمكن من السفر بسبب القيود والإجراءات المعقدة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي، والتي تعيق خروج المرضى.

يقول والده لـ"فلسطين": إن "جهاد بحاجة إلى عمليات ترميمية وطرف صناعي، وبرنامج تأهيل طويل يصعب توفيره. كل يوم يمر نخسر جزءًا من فرصة شفائه. الأطباء استطاعوا الحفاظ على ذراعيه من البتر، لكنهما ما يزالان بحاجة إلى تدخلات جراحية لا يمكن إجراؤها في غزة".

المصدر / فلسطين أون لاين