في مخيمٍ للنازحين في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، بالقرب من مقر مجلس الوزراء السابق، تحوّلت محاولة بسيطة لإعداد وجبة طعام إلى مأساة إنسانية، بعدما اندلع حريق داخل خيمة بدائية لا تتوافر فيها أدنى مقومات الحياة الآمنة.
تجلس أم خالد أبو شنب أمام بقايا خيمتها التي التهمتها النيران قبل أيام، تحتضن طفليها نعمة (3 أعوام) وخالد (4 أعوام)، فيما تتجه نظراتهم بين الحين والآخر نحو المكان الذي كان يؤويهم.
تروي أم خالد تفاصيل الحريق بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالصدمة لصحيفة “فلسطين”: قائلة إنها كانت تُعد الطعام لأطفالها داخل الخيمة، مستخدمة وسائل بدائية لإشعال النار بسبب انعدام الغاز والكهرباء.
واقع خطير
وتقول أبو شنب إنها، وبعد أن انتهت وجلست مع أطفالها لتناول الطعام، حملت الرياح شرارة صغيرة نحو جدار الخيمة المصنوع من النايلون والقماش، لتشتعل النيران بسرعة هائلة، “كأنها تلتهم كل شيء في لحظات”، على حد وصفها.
لم تمهلها النيران وقتًا طويلًا، فخرجت مسرعة مع أطفالها وهي تصرخ طلبًا للنجدة، بينما بدأت ألسنة اللهب تلتهم الملابس والأغطية وكل ما تملكه العائلة.
ويؤكد شهود عيان أن صرخاتها دفعت سكان المخيم إلى التوجه فورًا نحو الخيمة والمساعدة في إخماد الحريق.
وقال ساري غنام، أحد النازحين في المخيم، إنهم حاولوا مرارًا السيطرة على النيران، لكن سرعة اشتعال الخيمة المصنوعة من مواد بلاستيكية ساعدت على تفاقم الحريق.
وأضاف غنام لـ“فلسطين”: “كانت النار قوية جدًا، وكلما حاولنا إخمادها كانت تمتد أكثر، لكننا في النهاية تمكنا من السيطرة عليها بعد أن أتت على كل شيء تقريبًا داخل الخيمة”.
وتعكس هذه الحادثة واقعًا خطيرًا يعيشه آلاف النازحين في قطاع غزة، حيث تُستخدم الخيام المصنوعة من النايلون والقماش كمأوى مؤقت، رغم أنها لا توفر الحد الأدنى من الحماية؛ فهي لا تقي من حر الصيف اللاهب ولا تحمي من برد الشتاء القارس، فضلًا عن كونها شديدة الاشتعال، ما يجعل أي شرارة تهديدًا مباشرًا لحياة العائلات.
أم خالد، التي دُمّر منزلها في بيت لاهيا شمال القطاع مع بداية الحرب، اضطرت للنزوح عدة مرات قبل أن تستقر في هذا المخيم، وهي اليوم حامل وتعيش مع أطفالها في خيمة مؤقتة أخرى مهددة بالمصير ذاته في أي لحظة.
وتقول بحزن: “لم يعد لدينا شيء، كل ما نملك احترق، حتى ملابس أطفالي وأغطيتهم”، موضحة أن اضطرارها لاستخدام النار داخل الخيمة يعود إلى النقص الحاد في الغاز والوقود نتيجة الحصار ومنع إدخال الإمدادات الأساسية.
وأجبر هذا الواقع آلاف العائلات على اللجوء إلى وسائل بدائية وخطرة للطهي والتدفئة، ما يزيد من احتمالية تكرار مثل هذه الحوادث.
بدائل آمنة
ولا تتوقف معاناة العائلة عند الحريق فقط، بل تمتد إلى تهديد آخر، إذ إن الأرض المقام عليها المخيم مستأجرة من أحد المواطنين، وفي حال تعثر دفع الإيجار قد يُجبر السكان على إخلاء المكان والبحث عن مأوى جديد، في رحلة نزوح لا تنتهي، إلى جانب انتشار القوارض.
وتطالب أم خالد، كغيرها من النازحين، بضرورة توفير بدائل أكثر أمانًا، مثل البيوت المتنقلة والكرفانات، مشددة على أن الخيام لم تعد صالحة للحياة، وتقول بمرارة: “الخيمة لا تحمينا من الحر ولا من البرد، واليوم لم تحمنا حتى من النار”.
وتشير تقديرات محلية إلى أن مئات آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة يعيشون حاليًا في خيام ومراكز إيواء مؤقتة، بعد أن دمّر الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية أحياء سكنية كاملة وأجبر السكان على النزوح القسري.
وتعاني هذه الخيام من ضعفٍ شديد في البنية وعدم قدرتها على الصمود أمام الظروف الجوية القاسية، سواء الرياح أو الأمطار.
كما تفتقر معظمها إلى وسائل السلامة الأساسية، ما يجعلها عرضة للحرائق بشكل متكرر، خاصة في ظل انقطاع الكهرباء وشح الوقود.
ودعت مؤسسات إنسانية مرارًا إلى إدخال وحدات سكنية مؤقتة أكثر أمانًا، بالتزامن مع جهود إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
في ظل هذا الواقع، تبقى قصة أم خالد واحدة من مئات القصص التي تختصر معاناة النزوح في غزة، حيث يتحول البحث عن أبسط مقومات الحياة إلى خطر يومي، وتبقى الخيمة، التي يُفترض أن تكون ملاذًا آمنًا، مصدرًا دائمًا للخوف والتشريد.