تتفاقم أزمة النفايات الصلبة بين الأحياء السكنية ومراكز الإيواء وخيام النازحين في الجزء الغربي من قطاع غزة، متسببة بخطرٍ كبير يهدد السكان، مع ارتفاع درجات الحرارة ومنع الاحتلال الإسرائيلي الهيئات المحلية والمؤسسات الأممية من نقل مئات الأطنان المتكدسة منذ بدء الإبادة الجماعية في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى اللحظة إلى المكبات الصحية الرئيسة شرق القطاع.
ودقت المنظومة الصحية ناقوس الخطر بعد انتشار الأمراض التنفسية والجلدية وعضّات القوارض بين النازحين. وحذّر في هذا السياق “مجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات الصلبة في قطاع غزة” من كارثة بيئية وشيكة نتيجة تراكم أطنان النفايات.
ويقول المجلس إن النفايات الصلبة وتداعياتها الصحية والبيئية تهدد أكثر من 1.5 مليون نازح في غزة، خاصة بعد حرقها أو امتزاجها بمياه الصرف الصحي، وتدمير البنية التحتية، ما جعل البيئة المحيطة غير صالحة للسكن ويمنع التعافي البيئي.
بجانب مكبّ للنفايات الصلبة غرب مخيم النصيرات وسط القطاع، يعيش النازح سعيد سعد (35 عامًا) برفقة أسرته داخل خيمة قماشية متهالكة، تحيط بها الحشرات من كل جانب.
لا يستطيع النازح، الذي تكرر نزوحه للمرة العاشرة خلال الإبادة الجماعية، العيش أطول في هذا المكان، لكن ما يمنعه من الانتقال هو قلة المال لتكاليف النقل وانعدام مستلزمات الإيواء.
يصف “سعد” لصحيفة “فلسطين” العيش بجانب مكب النفايات بأنه “جحيم”، ويستعرض مظاهره: حشرات بمختلف الأشكال، قوارض بأحجام كبيرة، وروائح كريهة، حتى إن الأمر وصل إلى مداهمة أحد الزواحف خيمته خلال الأيام الماضية.
ولأجل ذلك، لا يستطيع الأب لأربعة أطفال مغادرة خيمته خشية “رعب” أطفاله من القوارض والزواحف، كما يقول، مضيفًا بحسرة: “لو أمتلك فرصة عمل أو مستلزمات إيواء جديدة لخرجت من هذا المكان منذ وقت طويل”.
ونتيجة الإبادة الإسرائيلية التي تسببت بانهيار اقتصادي شامل، ارتفعت نسبة البطالة في غزة إلى مستويات غير مسبوقة، لتتراوح بين 68% وأكثر من 80%، بعدما فقدت شريحة واسعة من العمال مصادر دخلهم بالكامل، وتحول سوق العمل إلى حالة من الشلل نتيجة تدمير البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية.
وبحسب تقرير للأمم المتحدة صدر مؤخرًا، فإن أكثر من مليون شخص في غزة بحاجة ماسة إلى مساعدات الإيواء، من خيام وأغطية وملابس شتوية.
تكدس وأمراض
وعلى الجانب الآخر من المكب المؤقت الذي أنشأه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) غرب النصيرات، يعيش عبد الرحمن صالح (38 عامًا) نزوحه الثالث خلال الإبادة الإسرائيلية داخل خيمة متهالكة.
يصف صالح، وهو نازح من شرق مدينة غزة بعد تدمير منزله، العيش بجانب أطنان النفايات الصلبة بأنه “أمر اضطراري”، نظرًا لضيق مساحات النزوح وتكدس أعداد النازحين في مناطق محددة.
ويشكو وزوجته ليلًا من ضيق في التنفس نتيجة انبعاث الغازات السامة والروائح الكريهة من كتل النفايات الهائلة، إضافة إلى انتشار القوارض والبعوض والحشرات.
ويترقب الأب لأربعة أطفال أي زيارة لوفد أممي أو محلي لطلب توفير مواد كيميائية لمكافحة القوارض والحشرات، علّها تخفف من وطأة “الوضع المأساوي”، كما يصفه.
وبسبب القيود الإسرائيلية المشددة على معابر ومنافذ غزة، اشتكت وكالة “أونروا” ومؤسسات أممية أخرى من نقص حاد في المبيدات والمعدات اللازمة لمكافحة الحشرات والقوارض، ما يفاقم الأزمة الصحية والبيئية.
وذكرت “أونروا” أنه في حال السماح بإدخال الإمدادات والمعدات الضرورية إلى غزة، ستتمكن فرقها من توسيع تدخلاتها وتنفيذ مزيد من الأنشطة الصحية والوقائية لخدمة النازحين والحد من المخاطر المتزايدة.
وفي تصريحات جديدة لصحيفة “فلسطين”، جدد رئيس مجلس إدارة الخدمات المشترك لإدارة النفايات الصلبة في محافظات خان يونس والوسطى ورفح، د. أحمد الصوفي، التحذير من كارثة بيئية وصحية تهدد سكان غزة، الذين يتجمعون في مساحات معيشية ضيقة نتيجة نفاد القدرة الاستيعابية للمكبات المؤقتة.
وحذّر الصوفي من خطورة تجاهل الاحتلال لإنذارات المؤسسات الأهلية والأممية التي تطالب بنقل أطنان النفايات إلى المكبات الرئيسية شرق غزة، ما ينذر بـ”مجزرة بيئية” غير مسبوقة.
وتجاهلًا لاتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، الذي تم برعاية مصرية وقطرية وتركية وإشراف أمريكي، اقتطع جيش الاحتلال نحو 56% من مساحة غزة عبر ما أسماه “الخط الأصفر”، ثم وسّعه لاحقًا عبر القذائف والطلقات النارية، ما أدى إلى تقليص المساحات المدنية، بحسب تقارير أممية.