فلسطين أون لاين

تقرير سالم النجار… طفلٌ بين الركام والتنفس

...
يرقد الطفل سالم النجار (عامان) منذ 70 يومًا على سرير المرض في مستشفى ناصر
خان يونس/ عبد الرحمن يونس:

على سريرٍ في غرفة العناية المكثفة بمستشفى ناصر جنوب قطاع غزة، لا يكاد يتّسع لحجم الوجع الذي أصاب جسده الغض، يرقد الطفل سالم النجار (عامان) منذ 70 يومًا. لا يقطع سكون غرفته في العناية المركزة إلا أزيز جهاز التنفس الصناعي، ورنين الرتابة القاتل الذي يراقب نبضات قلبٍ صغيرٍ يأبى الاستسلام. سالم ليس مجرد رقم في كشوفات المصابين، بل هو شاهد حي على جريمة بدأت بقذيفة وانتهت بحصارٍ يطبق على أنفاسه.

جلس والده، المكلوم بصمت، يراقب وجه ابنه الشاحب، وفي عينيه تنعكس تفاصيل الليلة التي قلبت حياتهم رأسًا على عقب. بكلماتٍ مخنوقة بالدموع، بدأ يروي لصحيفة “فلسطين” تفاصيل تلك المأساة.

“لم نكن ننتظر سوى نومٍ هادئ بعد يومٍ شاق”، يبدأ الأب حديثه مستذكرًا اللحظة التي استهدف فيها القصف الإسرائيلي محيط منزلهم. “فجأة اهتزت الأرض تحتنا، وتحول الليل إلى جحيم من الغبار واللهب. كان عصف الانفجار هائلًا، لدرجة أنه قذف بسالم، الذي كان يلعب في الطابق الثالث، إلى خارج الشرفة ليسقط في الفراغ”.

يصمت الأب قليلًا، وكأن مشهد سقوط طفله من الطابق الثالث يتكرر أمام عينيه الآن: “هرعت إلى الشارع كالمجنون، وجدته جسدًا صغيرًا ملقى بين الركام، لا يتحرك ولا يصرخ. في تلك اللحظة شعرت أن روحي هي التي سقطت، وليست روحه”.

f5ca0f05-322e-45e6-8477-e728b290a7e3.jfif
 

نُقل سالم إلى المستشفى في حالة حرجة، لتبدأ معركة أخرى من نوعها. يقول الوالد: “أخبرني الأطباء أن سالم عاد إلى الحياة، لكنه يعاني من نزيف حاد في الدماغ وتورم شديد يضغط على خلايا عقله الصغير. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالضربة القوية التي تلقاها جسده عند ارتطامه بالأرض تسببت في إصابة بالغة من الدرجة الثالثة في الكبد، وكدمات في الرئتين جعلته عاجزًا عن استنشاق الهواء وحده”.

اليوم، يقبع سالم تحت رحمة الأجهزة. “أحدث صور الأشعة كانت صدمة لنا”، يضيف الأب بأسى، “يقول الأطباء إن الإصابة الدماغية منتشرة، وأن مستوى الوعي لديه منخفض جدًا. كل ما نفعله هو الانتظار والدعاء أن تمر الدقيقة القادمة دون أن نفقده”.

ورغم قسوة الإصابة، يؤكد والد سالم أن الاحتلال لا يكتفي بإصابة الأطفال، بل يصر على حرمانهم من فرصة النجاة. “الأطباء هنا بذلوا كل ما بوسعهم، لكنهم يواجهون نقصًا حادًا في المعدات والتخصصات الدقيقة بسبب الحصار المستمر. سالم يحتاج إلى جراحة عصبية وتدخلات غير متوفرة في غزة، والحل الوحيد هو تحويله فورًا للعلاج في الخارج”.

مأساة كبرى

وهنا تكمن المأساة الكبرى؛ فالمعابر مغلقة، والقيود المشددة التي يفرضها الاحتلال تحول دون خروج مئات الحالات المشابهة لسالم. يقول الأب بمرارة: “سالم ضحية مرتين؛ مرة عندما أسقطه القصف من الطابق الثالث، ومرة عندما يمنعه الحصار من السفر. إنهم يقتلوننا ببطء، ويغلقون في وجوهنا أبواب الأمل”.

سالم النجار ليس حالة فريدة، بل هو وجهٌ واحد لآلاف الأطفال في قطاع غزة الذين يدفعون ثمن إغلاق المعابر والحرمان من العلاج. إن التأخير في تحويله يعني ببساطة “إعدامًا مع سبق الإصرار”.

يوجه والده علي عبر صحيفة “فلسطين” نداءً عاجلًا: “أنا لا أطلب المستحيل، أطلب فقط أن يُسمح لطفلي الذي لم يُكمل عامه الثاني بأن يحصل على حقه في العلاج. أي ذنب اقترفه سالم ليُحرم من السفر؟ وأي قانون في هذا العالم يسمح بمحاصرة طفل بين الموت والاحتلال؟”.

ويختم الأب حديثه وهو يمسك يد ابنه الصغيرة الباردة: “كلما نظرت إلى جهاز التنفس، أشعر بالرعب من أن يتوقف فجأة لأن العالم صمت عن حصارنا. سالم يريد أن يعيش، وغزة مليئة بالأطفال الذين ينتظرون تلك الورقة التي تُسمى ‘تصريح سفر’ ليعودوا إلى الحياة”.

ويبقى سالم يصارع الموت، منتظرًا ليس فقط معجزة طبية، بل يقظة ضميرٍ عالمي تفتح المعابر وتنهي معاناة أطفال غزة الذين باتت أرواحهم رهينة في يد حصارٍ لا يرحم.

المصدر / فلسطين أون لاين