فلسطين أون لاين

"ننتظر عودتك يا أبي".. بتول تطارد مصير والدها المفقود

...
غزة/ جمال غيث:

في خيمةٍ صغيرة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، تجلس بتول عرفات (16 عامًا) تحدّق في صورة والدها المعلّقة على قطعة قماش مهترئة، كأنها تحاول استعادة حضوره الغائب منذ سنوات.

إلى جانبها، والدتها عطاف، التي لم تتوقف عن البحث عن أي خبر يطمئن قلبها على زوجها، الأسير محمد عرفات، الذي اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي في السابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره تمامًا.

تتنقل بتول ووالدتها بين الفعاليات التضامنية مع الأسرى ولقاءات المحررين، لعلّهما تعثران على خيطٍ يقودهما إلى مصير الأب الغائب. وتقول بتول لصحيفة "فلسطين": إن آخر مرة رأت فيها والدها كانت قبل يوم من اقتحام قوات الاحتلال منزل أحد أقاربهم في حي الزيتون شرق مدينة غزة، حيث كانوا قد نزحوا هربًا من القصف.

وتصف تلك اللحظات بأنها كانت مليئة بالرعب؛ إذ داهم الجنود المنزل وهم مدججون بالسلاح، وشرعوا في الصراخ وإطلاق النار بشكل عشوائي، قبل أن يجبروا النساء والأطفال على التوجه نحو جنوب القطاع. وخلال ذلك، فُصل الرجال عن النساء، وجرى اعتقال والدها وعدد من أقاربهم، بعد تجريدهم من ملابسهم واقتيادهم إلى جهة مجهولة.

ومنذ تلك اللحظة، لم تتلقَّ العائلة أي معلومات مؤكدة عن مصيره، وسط مخاوف متزايدة من تعرضه للإخفاء القسري والتنقل بين السجون دون أي تواصل مع العالم الخارجي.

دموع الفقد

WhatsApp Image 2026-05-05 at 3.34.54 PM.jpeg
 

تقول بتول إن عائلتها تعيش حالة من التشتت والانكسار، ليس فقط بسبب غياب الأب، بل أيضًا نتيجة فقدان المنزل الذي دُمّر خلال الحرب في حي الشجاعية شرق مدينة غزة. وتضيف أن العائلة، المكوّنة من أم وخمسة أبناء، اضطرت للعيش في خيمة قرب منطقة الصناعة، حيث تواجه ظروفًا إنسانية قاسية في ظل نقص أبسط مقومات الحياة.

وتوضح أن أشقاءها: عمر (15 عامًا)، فؤاد (13 عامًا)، جود (10 أعوام)، وغيث (6 أعوام)، يفتقدون والدهم بشدة، ويقضون أوقاتًا طويلة في النظر إلى صورته، فيما تنهمر دموعهم وهم يدعون لعودته سالمًا. وتشير إلى أن والدها كان مصدر الأمان والدعم للعائلة، وكان حريصًا على تعليمهم وتربيتهم، وأن غيابه ترك فراغًا لا يمكن تعويضه.

ورغم الألم، تواصل العائلة المشاركة في الفعاليات الأسبوعية الداعمة للأسرى، حيث تحضر كل يوم اثنين للوقوف مع أهالي المعتقلين، على أمل الحصول على أي معلومة جديدة.

وتلفت عطاف، لـ"فلسطين"، إلى أن بعض الأسرى المحررين أفادوا بأن زوجها نُقل بين عدة سجون، وتعرض للتحقيق والضرب خلال فترة اعتقاله، ما يزيد من قلقهم على حياته.

وتناشد العائلة المؤسسات الدولية والحقوقية التدخل العاجل للكشف عن مصيره والعمل على إطلاق سراحه، في ظل تصاعد الانتهاكات بحق الأسرى داخل سجون الاحتلال. كما تدعو إلى وقف السياسات التي وصفتها بـ"العنصرية"، والتي تتنافى مع القوانين والأعراف الدولية، خاصة ما يتعلق بالاعتقال الإداري والإخفاء القسري.

وبحسب إحصائيات رسمية، ارتفع عدد الأسرى في سجون الاحتلال بنسبة 83% منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ليتجاوز 9600 أسير، بينهم 86 امرأة ونحو 350 طفلًا. كما تجاوز عدد المعتقلين إداريًا، المحتجزين دون تهمة أو محاكمة، 3500 معتقل، في سابقة تعكس تصعيدًا خطيرًا في سياسات الاعتقال.

وتشير مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى إلى أن أكثر من 100 أسير استشهدوا منذ بداية الحرب، أُعلن عن هويات 89 منهم، فيما لا يزال آخرون، خاصة من معتقلي غزة، في عداد المفقودين قسرًا.

في ظل هذه الأرقام، تبقى قصة عائلة عرفات واحدة من آلاف الحكايات التي تختصر معاناة الغياب والفقد، حيث يظل الأمل بعودة الأب حيًا، رغم قسوة الواقع، ومرور السنوات دون إجابة.

المصدر / فلسطين أون لاين