قائمة الموقع

فساد الكيان الصهيوني في ضوء سورة الإسراء وأبعاد الوعد الإلهي

2026-05-06T08:29:00+03:00
فلسطين أون لاين

يقول الله تعالى في سورة الإسراء: {وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} (الإسراء: ٤).

هذه الآية ليست مجرد رواية تاريخية عن إفساد سبق وانقضى، بل هي سُنّة كونية ومنهاج رباني يتكرر مع من يسلك مسلك الإفساد والطغيان، أياً كان زمانه أو مكانه. إنها تخبرنا أن ثمّة نمطاً ثابتاً في سلوك هذه الجماعة: كلما تمكنوا، أفسدوا في الأرض، وكلما أفسدوا، طغوا وعلوا عُلُوّاً كبيراً. نحن اليوم، في هذه المرحلة الدقيقة من التاريخ، نعيش حالة صارخة من صور هذا الإفساد المتجسد في الكيان الصهيوني الذي تجاوز في علوه وطغيانه وفساده كل الحدود.

إن تجليات "العلو الكبير" في سلوك الكيان الصهيوني اليوم تتمثل في ارتكاب جرائم حرب وحشية مكتملة الأركان في اليمن والعراق، وفي الحرب على إيران، وكذلك جرائمهم في السودان من خلال دعم الحركات الانفصالية وإذكاء الحروب الأهلية. وتتجلى تلك الجرائم بأبشع صورها في غزة وجنوب لبنان، من خلال ما ترتكبه آلة الحرب الصهيونية هناك. فجرائم الكيان في غزة وجنوب لبنان ليست حرباً بالمعنى المتعارف عليه، بل هي إبادة جماعية أمام مرأى العالم. أطفال يُذبحون، مُدُنٌ تُمحى، مسيرات إنسانية تُستهدف، ومستشفيات تُحاصر وتُدمر ويُقتل من فيها، مدارس تُقصف على من فيها من براعم بريئة لا علاقة لها بالحرب سوى الانتماء للأرض، جوامع وكنائس تُزال بقصد محو هوية الأرض. جرائم لم يشهد لها التاريخ الحديث مثيلاً في انتهاك صارخ لكل تعاليم السماء وأعراف الأرض وقوانين البشر، مستمدين من أكاذيب تلمودهم أنهم شعب الله المختار، شعوراً بالاستعلاء على الآخرين، وجواز قتلهم، واستعباد من يبقى حياً من غير ملتهم ، متلذذين بآلام مَن تحت الأنقاض من أبرياء لا ذنب ارتكبوه سوى رفضهم الذل، مستأنسين بصرخات أمهات خلف جثامين أطفالهن، وبمنظر شيوخ ينهارون تحت الأنقاض. مأساة تتكرر كل يوم، فما من صباح يطل ولا مساء يحل إلا على مجازر إرهابية لا تفرق بين طفل صغير ورجل كبير، بين رضيع في المهد وشيخ على أعتاب اللحد، بين امرأة ورجل. جرائم حرب وحشية لا ترحم أحداً ولا تبقي حجراً ولا مَدَراً. حقد متوارث من سلالة قتلة الأنبياء، لم يغيره الزمن، ولا تؤثر فيه حياة الحَضَر ولا مواثيق الدول. تاريخ أسود لا ينتمي إلى الإنسانية بصلة، حاضر من ماضٍ سحيق لقتلة الأنبياء يعيد نفسه ببشاعة أشد، مستهدفاً المدنيين العُزّل من أجل وهم رسمته مخيلاتهم المريضة لدولة اسمها "إسرائيل الكبرى".

صور تتعدى العد وتتحدى الوصف: قصف وتجريف، قتل وتهجير، دمار وحصار، حياة تحت الأنقاض، دماء تستغيث بأمة كانت خير الأمم لعلها تمد يداً أو ترد معتدياً أو تنطق حرفاً يخفف ألماً، فإذا بأمتنا جثة هامدة لا نبض فيها ولا حياة. تلك مفردات يومية في غزة ومثلها في جنوب لبنان، يدأب على ارتكابها الكيان الصهيوني بإصرار عجيب وسلوك غريب يكشف عن نهم مريع للحرب، رافضاً أي مفاوضات حقيقية لوقف إطلاق النار في غزة ولبنان على حد سواء، منتهكاً كل اتفاق يُبرم لإجهاض أي فرصة سلام عادل لفرض واقع جديد على الأرض، مستغلاً تقاعس الأمم المتحدة والمجتمع الدولي عن القيام بواجباتهم استجابة لسيدهم في البيت الأبيض صاحب الفيتو المشؤوم بكل ما يتعلق بالكيان الصهيوني. ففي يونيو 2025، حصل قرار يدعو إلى "وقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار" في غزة على تأييد 14 عضواً من أصل 15 في مجلس الأمن، لكنه سقط بفعل الفيتو الأمريكي. ومع وجود الشيطان الأكبر، يتكرر ذات السيناريو المخزي في سبتمبر 2025، حيث استخدمت أمريكا حق النقض ضد مشروع قرار آخر كان من شأنه أن يجبر إسرائيل على رفع القيود عن المساعدات الإنسانية لغزة، ليضيف وصمة عار في جبين الإنسانية أمام إبادة جماعية تحدث على مرأى الجميع. ومع ازدواجية المعايير في المحاكم الدولية تنكشف قُبْحُ أصحاب القرار الدولي، فمع إصدار قرارات اعتقال بحق قادة الكيان بتهم استخدام التجويع كسلاح حرب وجرائم ضد الإنسانية، كانت النتيجة تجاهلاً تاماً، بل وفرض عقوبات على أعضاء المحكمة أنفسهم! إنها سخرية مريرة أن تصدر مؤسسة دولية قراراً ثم تتخلى عنه الدول التي أنشأتها. و مع غياب الردع يُمنح الكيان الصهيوني شعورا بأنه فوق القانون، ليستمر في غيه و إجرام وطغيانه وفساده ليعلو في الارض ، حيث شاء الله الحكيم {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} (الأنفال: ٤٤)، و {لِيَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} (آل عمران: ١٧٩) من المسلمين والعرب في ظل ما يجري على أمتنا من تكالب قوى الاستكبار والطغيان، لتستبين المواقف وتظهر المعادن التي باتت منقسمة بين موقف تأييد للكيان الصهيوني معلنة صراحةً: تفهمها لحق الكيان الصهيوني  في الدفاع عن نفسه ، فتقدم له الدعم والإسناد، متجاهلة ما يقوم به من مجازر بحق شعب أعزل. إن موقف تلك الدول يمثل وصمة عار في جبين الأمة. فيما تبدي بعض الدول تواطؤاً ضمنياً في دعم الكيان الصهيوني في حربه ضد حركات المقاومة في غزة وجنوب لبنان، مكتفية في أحسن الأحوال بمواقف الاستنكار اللفظية، وما يحز في النفس أن بعض الدول العربية والإسلامية تتعامل مع أمن الكيان الصهيوني كخط أحمر، بينما أرواح المسلمين ومنهم الفلسطينيين المكتوين بنيران الكيان  ليس لهم سوى الاستنكار اللفظي في أحسن الأحوال. فلا جامعتنا العربية لها قرار، ولا مؤتمراتنا الإسلامية ذات ثمار. لقد تحولت قضية العرب والمسلمين الأولى إلى لعبة توازنات باردة ومصالح ضيقة.

ولربما سائل يسأل: إذا كان المجتمع الدولي صامتاً، والدول العربية بين متآمرة وخاضعة لإملاءات خارجية، وإذا كان الكيان الصهيوني يملك ما لا تملكه حركات المقاومة في غزة ولبنان وبقية البلدان العربية من قوة وتأييد دولي وإقليمي، فلماذا لا تعلن المقاومة الاستسلام وتُرضخ لإملاءات الكيان؟ ولماذا يعيش في أعماقهم حلم الانتصار؟

وللجواب أقول: إن الكيان الصهيوني رغم كل ما لديه من قوة وإمكانيات مادية وتكنولوجية، وامتلاكه أسلحة ومعدات وطائرات ورغبة في القتل والدمار، إلا أنه يعاني من أزمة وجودية حادة؛ فهو لا يستطيع العيش دون حروب، ولا يمكنه الاستمرار دون عدوان. كل وقف لإطلاق النار يهدد وجوده، لأنه كيان قام على الغصب ويستمر بالعنف، و الـوعده إلهي بإفساده لا مفر منه. أما المقاومة فرأس مالها هو الصمود والتضحية والوحدة. كل قطرة دم تسقط في غزة أو في جنوب لبنان هي بداية لعصر جديد، وإعلان ميلاد جديد، كما يقول السياب:

وكل دمعةٍ من الجياع والعراة،

وكل قطرةٍ تراقُ من دم العبيد،

فهي ابتسامٌ في انتظار مبسمٍ جديد،

أو حُلْمَةٌ تَوَرَّدَتْ على فم الوليد.

المقاومة تنتصر لأن الموت في أبجديات المقاومة هو نصر ما دام في سبيل الحق، وهو أسمى معاني الحياة. يقول الله في محكم كتابه الكريم: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ} (التوبة: ٥٢).

إن المقاومة ( الجهاد ) هي طريق الاحرار في هذه الأمة، في مواجهة الكيان الصهيوني وقوى الاستكبار الشيطاني وهي باب من أبواب الجنة، كما وصفه الإمام علي بن أبي طالب: "أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللَّهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ وَسَوَّغَهُمْ كَرَامَةً مِنْهُ لَهُمْ وَنِعْمَةً ذَخَرَهَا، وَالْجِهَادُ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَدِرْعُ اللَّهِ الْحَصِينَةُ وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ، فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَشَمِلَهُ الْبَلَاءُ". فالمقاومة والجهاد هما ذروة سنام الإسلام، وعز الأمة، ومصدر كرامتها، وتركهما يوجب الذل والبلاء. لذلك صار واجباً على الأمة ان أردات العز ، نصر حركات المقاومة والتصدي لمشاريع الكيان الصهيوني، والتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل دحر هذا الكيان الغاصب. وإن الذين يسارعون لنيل رضا هذا الكيان الزائل سيندمون حين يدركون أن النصر آتٍ، وهو آتٍ لا محالة، ما دام هناك من يرفع راية الجهاد. تلك سنن الله في الأرض، ومن سنن الله أن الظلم لا يدوم وإن طال زمانه. ولنا فيما يجري اليوم على ساحات العز والشرف في طهران وغزة ولبنان واليمن والعراق شواهد حية تحكي عجز الآلة الصهيونية والأمريكية أمام إرادة المقاومة، وفشلها في تسجيل أي انتصار عسكري على أرض الواقع. بل الواقع يسجل تراجعاً شعبياً لقادتهم وانقلاباً داخل دولهم بسبب عدم تحقيق ما توهموا أنهم قادرون على تحقيقه بما يملكون من قوة مادية وتكنولوجية وعسكرية تفوق بمئات المرات ما عند حركات المقاومة في غزة وجنوب لبنان، بل لا يمكن المقارنة فيما يملك كل من الفريقين، إلا من حيث الإيمان والتوكل على الله، الذي مَنَّ الله بهما على المقاومة {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}.ليُتَبِّرْوا  فساد وعلو الكيان الصهيوني، انتصاراً للحق والمظلومين، وقصاصاً من الباغي عما ارتكبت يداه من جرائم، وعداً غير مكذوب. {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} (الإسراء: ٧). سُنّةُ الله تعالى في خلقه، فلا يغترن أحد بالإمهال، فإنه ليس بإهمال. إن الله يمهل ولا يهمل، وكل آجال محدودة مهما طالت. ولقد توعد الله الظالمين بالهلاك، فقال تعالى: {وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} (هود: ١٠٢). {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} (يوسف: ٢١)، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إن دماء المسلمين في طهران وغزة ولبنان، في العراق واليمن، في سوريا والسودان، ها هي تتوقد في ساحات الجهاد مشاعل نصر تحرق الاستكبار، وتصوغ من صبر الثواكل لأمهات الشهداء زغاريد فرح بحياة كريمة ترفل بالعز والكبرياء، لـ {رِجَالٍ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} (الأحزاب: ٢٣).

اخبار ذات صلة