لم تكن ولادة الرضيعة لورا شاهين، التي لم يتجاوز عمرها أربعة أشهر، بدايةً عادية كما تحلم بها كل أم. في مستشفى العودة بالنصيرات، خرجت لورا إلى الحياة على عجلٍ ممزوج بالقلق، إذ لم تُمنح لحظتها الأولى فوق صدر والدتها كما جرت العادة، بل سُحبت سريعًا إلى يد الأطباء بعدما ظهرت عليها علامات اختناق وصعوبة في التنفس، كانت تلك اللحظة كفيلة بأن تزرع الخوف في قلب عائلة لم تكن تعلم أن رحلة طويلة من الألم والانتظار قد بدأت للتو.
وبسبب عدم توافر حضانة طبية في المستشفى، تم تحويل الرضيعة إلى مستشفى الأقصى في دير البلح، إذ وُضعت تحت المراقبة الدقيقة، هناك، وبعد سلسلة من الفحوصات، انكشف التشخيص رتق أنفي، أي انسداد كامل في الممرات الأنفية، حالة نادرة تجعل التنفس الطبيعي شبه مستحيل لطفلة في عمرها، خصوصًا وأن الرضع يعتمدون بشكل أساسي على التنفس عبر الأنف.
ويقول والدها محمد لصيحفة "فلسطين" بصوتٍ مثقل بالخذلان: "لم نكن نتوقع أن تكون حالتها بهذه الخطورة، ظننت في البداية أنه أمر عابر، شيء بسيط ستمر به وتتعافى سريعًا، لكن الأطباء أخبرونا أن حياتها مهددة، وأنها لا تستطيع الخروج من الحضانة قبل إجراء عملية جراحية".
خضعت لورا لأول عملية جراحية، حيث تم فتح ممرٍ أنفي ووضع دعامة تساعدها على التنفس، لكن الأمل الذي ولد مع تلك العملية لم يدم طويلًا، فبعد أسبوعٍ ونصف فقط، سقطت الدعامة إثر عطسة بسيطة، لتعود الطفلة من جديد إلى نقطة الصفر، وإلى حضن الأجهزة الطبية.
يضيف والدها: "شعرت أن قلبي سقط معها، كنا نظن أن المعاناة انتهت، لكننا عدنا لنفس الدائرة".
تكررت العمليات؛ ثانية وثالثة، وفي كل مرة تتكرر ذات النتيجة انسداد متجدد، ودعامة لا تصمد، وجسد صغير يقاوم ما يفوق طاقته، ومع كل محاولة فاشلة، كانت لورا تحاول بطريقتها الخاصة أن تتأقلم مع الحياة، فتعلمت أن تتنفس من فمها، لكنها محاولة محفوفة بالخطر.
ففي الليل، يصبح الخوف أكثر حضورًا، تقول والدتها: "لا ننام، نراقبها طوال الوقت، وأحيانًا تختنق فجأة، يتحول لونها إلى الأزرق، فنركض لنضع لها الأكسجين، نخاف أن تغمض عينيها ولا تفتحهما مجددًا".
ليست المعاناة طبية فقط، بل إن الانتظار القاتل يضاعف الألم، فالعائلة اليوم عالقة بين حاجة ملحّة لإجراء عملية متقدمة لتنهي معاناة لورا، وبين واقع صعب يعيق السفر والعلاج.
ويتابع محمد حديثه: "كل يوم يمر هو خطر على حياتها، نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد فرصة لعلاجها، وأن تسافر، أن تُجرى لها العملية المناسبة، وأن تعيش كأي طفلة".
الانتظار هنا ليس مجرد وقت، بل امتحان قاسٍ للأعصاب، وانتظار الموافقات، وانتظار فتح المعابر، وانتظار دورٍ في قائمة طويلة من المرضى، بينما حالة لورا لا تحتمل التأجيل، "أشعر أن الوقت يسرق طفولتها، ويسرق منا قدرتنا على الاطمئنان والراحة"، وفق حديثها.
في حضن أمها، تبدو لورا كأي رضيعة بريئة، بعينين لا تدركان حجم المعركة التي تخوضها كل لحظة، لكنها، رغم صغرها، تحمل قصة وجع كبيرة، قصة طفلة تنتظر أن تتنفس، "حلمي بسيط أن أراها تنام بهدوء دون أن أراقب أنفاسها، أن تبكي كأي طفلة دون أن أخاف أن تختنق أو أفقدها في أي لحظة"، كهذا يختم حديثه.

