فلسطين أون لاين

بذريعة تجميد الدعم الأوروبي... هل تتجه السلطة لتعديل المناهج التعليمية؟

...
البرلمان الأوروبي يرهن تمويل التعليم بتعديل المناهج الفلسطينية (أرشيف)
رام الله- غزة/ نور الدين صالح:

في خطوة تعكس حجم الضغط السياسي على السلطة في رام الله، ذهب البرلمان الأوروبي لربط استئناف التمويل المالي بإجراء تعديلات على المناهج التعليمية، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية.

وبينما تشير المعطيات إلى وجود استجابة من السلطة لهذه الشروط تتصاعد التحذيرات من تداعيات هذا المسار على الهوية الوطنية والرواية الفلسطينية.

وكان البرلمان الأوروبي أصدر قراراً يقضي بتجميد المساعدات المالية المخصصة لقطاع التعليم التابع للسلطة، على خلفية اعتراضات أوروبية على محتوى المناهج الدراسية، واتهامات بتضمّنها مضامين اعتبرها نواب أوروبيون "تحريضية".

وجاء القرار بعد تصويت أظهر تأييد 443 نائبًا، مقابل رفض 202، وسط دعم من كتل سياسية متعددة، من بينها أطراف محسوبة على تيار يسار الوسط. فيما اعتبر عدد من النواب أن الإجراءات التي اتخذتها السلطة لإصلاح المناهج لم تصل للمستوى المطلوب، وضرورة إدخال تعديلات إضافية قبل إعادة صرف التمويل.

خضوع للإملاءات

sabah.png
الخبير في الشأن السياسي عدنان الصباح


ويرى الخبير في الشأن السياسي عدنان الصباح أن ما يجري يأتي في سياق "حالة من الخضوع المتكرر للإملاءات الخارجية"، مشيراً إلى أن "استجابة السلطة لشروط تتعلق بقضايا حساسة كالأسرى والمناهج التعليمية فتحت الباب أمام مزيد من الضغوط".

ويوضح الصباح لصحيفة "فلسطين"، أن هذه الاستجابة المتراكمة منحت الأطراف الدولية، بما فيها أوروبا، شعوراً بأن بإمكانها فرض شروط إضافية دون مواجهة رفض حقيقي.

ويحذر الصباح من أن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في تعديل المناهج، بل في ما قد يتبعه من تنازلات أوسع، موضحاً أن "من يستجيب في ملف المناهج، قد يجد نفسه مضطراً للاستجابة في ملفات أخرى تمس جوهر القضية الوطنية".

كما يشير إلى أن هناك مؤشرات على وجود لجان تعمل على إدخال تعديلات، رغم عدم الإعلان الرسمي عن تفاصيل هذه التغييرات أو طرحها للطلبة حتى الآن.

ويؤكد أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب موقف وطني موحد، معتبراً أن استمرار تقديم التنازلات "قد يقود في نهاية المطاف إلى المساس بالرواية الوطنية الفلسطينية، بل وإعادة تعريف العمل الوطني ضمن أطر تُرضي الاحتلال".

ويشدد على ضرورة التوافق على برنامج سياسي وطني جامع يضع حدوداً واضحة لأي استجابة للضغوط الخارجية.

U5NJV.png
الناشط السياسي عمر عساف

من جهته، يرى الناشط السياسي عمر عساف أن قرار البرلمان الأوروبي يعكس "ازدواجية معايير واضحة"، لافتاً إلى أن الاتهامات الموجهة للمناهج الفلسطينية تتجاهل "التحريض والعنف الموجود في مناهج دولة الاحتلال".

ويؤكد عساف لصحيفة "فلسطين"، أن الضغط الأوروبي "يفتقر إلى العدالة، إذ ينحاز إلى الطرف المعتدي بدلاً من الوقوف إلى جانب الشعب الواقع تحت الاحتلال".

ووفق قوله، فإن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى "انتزاع تنازلات سياسية من الفلسطينيين تحت غطاء الدعم المالي"، معتبراً أن هذا النهج مرفوض وطنياً وشعبياً.

ويشدد على أن السلطة، رغم إعلانها الالتزام ببعض الشروط، لا تزال تواجه انتقادات أوروبية تتعلق بعدم التنفيذ الكامل، ما يعكس استمرار الضغط وعدم الاكتفاء بالتعهدات.

وبحسب عساف، فإن هناك بالفعل خطوات عملية اتخذتها السلطة في هذا الاتجاه، من خلال عقد ورشات واجتماعات تتعلق بتطوير المناهج، وهو ما يثير مخاوف من أن تكون هذه التعديلات استجابة مباشرة للشروط الأوروبية.

ويؤكد أن السيناريو الأقرب، استناداً إلى تجارب سابقة، هو استمرار الاستجابة لهذه الضغوط ما لم يتشكل موقف شعبي ضاغط يحد من هذا التوجه.

وتتقاطع آراء المحللين عند نقطة أساسية، مفادها أن ربط التمويل بالتعديلات التعليمية لا يمكن فصله عن سياق سياسي أوسع، تسعى من خلاله أطراف دولية إلى التأثير في الوعي الجمعي الفلسطيني، خاصة لدى الأجيال الناشئة. ويؤكدون أن هذا المسار، في حال استمر، قد يؤدي إلى تغييرات عميقة في بنية الخطاب الوطني.

في ظل ذلك، يبرز تحدٍ أساسي أمام السلطة يتمثل في كيفية الموازنة بين الحاجة إلى الدعم المالي وبين الحفاظ على الثوابت الوطنية. وبين ضغوط الخارج ومطالب الداخل، تبقى مسألة المناهج التعليمية واحدة من أكثر الملفات حساسية، نظراً لدورها المركزي في تشكيل الهوية الوطنية وصياغة الوعي السياسي للأجيال القادمة.

ومع استمرار الجدل، يبدو أن مستقبل هذا القرار سيظل مرهوناً بمدى قدرة القوى الوطنية والمجتمعية على التأثير في مسار الاستجابة، وفرض رؤية تحافظ على الرواية الفلسطينية في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة.

تجدر الإشارة إلى أن صحيفة "معاريف" العبرية كشفت خلال شهر يونيو الماضي، عن وثيقة رسمية بعث بها رئيس السلطة محمود عباس إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تضمنت التزامات بإجراء تغييرات واسعة.

وبحسب ما نشرته الصحيفة، شملت التعهدات إعادة النظر في آلية صرف مخصصات الأسرى والجرحى وأهالي الشهداء، إلى جانب إدخال تعديلات على المناهج الدراسية، بما يتضمن تدريس تاريخ فلسطين إلى جانب تاريخ الحركة الصهيونية.

المصدر / فلسطين أون لاين