فلسطين أون لاين

"منتدى الإعلاميين": "إسرائيل" تمارس "إبادة سردية" بحقهم

يوم حرية الصحافة... غزة تكتب الحقيقة بدم صحفييها

...
"إسرائيل" تعمدت استهداف الصحفيين الفلسطينيين على مدار عامين من الإبادة (أرشيف)
غزة/ نبيل سنونو:

بدماء نازفة، يكتب صحفيو غزة الحقيقة تحت نار حرب الإبادة الجماعية. يوثقون جرائم المحتل، ويوصلون صوت شعبهم إلى العالم، حتى بات العشرات منهم ضحايا للإبادة ذاتها، لكنهم يواصلون أداء الرسالة المهنية.

وليس بعيدا عن اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي يوافق الثالث من مايو/أيار سنويا، اغتال الاحتلال منذ بداية العام الجاري المزيد من الصحفيين، ما رفع عدد الشهداء منهم إلى 262 منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وكان اغتيال الصحفي محمد وشاح في الثامن من أبريل/نيسان الماضي، أحدث جرائم الاحتلال بحق الصحفيين.

وفي فترات التصعيد والحرب، برز دور وشاح -الذي عمل مراسلا لقناة الجزيرة مباشر- بشكل أكبر، إذ أسهم في نقل مشاهد القصف والدمار، وتوثيق شهادات الضحايا، مقدما تغطية ميدانية مباشرة لما يجري على الأرض.

وبفعل طبيعة عمله أثناء الحرب، اضطر إلى الابتعاد عن منزله وأسرته، وأقام في خيام برفقة صحفيين آخرين، في ظل ضغط مهني مكثف وساعات عمل طويلة امتدت على مدار اليوم.

أثناء عودته من خيمة عمله إلى منزله في مخيم البريج على شارع الرشيد الساحلي جنوب مدينة غزة في الثامن من أبريل/نيسان، استهدفته طائرة استطلاع إسرائيلية بصاروخ أصاب سيارته بشكل مباشر فاستشهد الزميل وشخص آخر كان برفقته، فيما احترقت السيارة وتحولت إلى كتلة نارية على جانب الطريق.

وفي التاسع من مارس/آذار، اغتال الاحتلال الصحفية آمال شمالي التي كانت تعمل مراسلة لراديو قطر.

وآنذاك، أفادت مصادر محلية باستشهاد ثلاثة مواطنين في قصف إسرائيلي استهدف خياما للنازحين في منطقة السوارحة وسط القطاع، بينهم الصحفية شمالي (46 عاما).

وفي 21 يناير/كانون الثاني، اغتال الاحتلال ثلاثة صحفيين، هم: عبد الرؤوف سمير شعت ومحمد صلاح قشطة أنس عبد الله غنيم الذين يعملون مع عدة وسائل إعلام.

وحينئذ أعلنت اللجنة المصرية لإغاثة غزة استشهاد 3 فلسطينيين يعملون لديها جراء قصف إسرائيلي استهدف سيارة كانوا يستقلونها وسط القطاع، ونشرت صورهم.

اغتيال الحقيقة

في السياق، قدّم "منتدى الإعلاميين الفلسطينيين" إفادة حقوقية مفصلة إلى المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، حول "جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحفيين في قطاع غزة".

وجاءت هذه الإفادة استجابةً لدعوة الأمم المتحدة للمؤسسات الحقوقية والإعلامية لتقديم شهاداتها بشأن استهداف الصحافة، وذلك قبيل إغلاق باب التقديم نهاية شهر أبريل/نيسان الماضي.

وأكد المنتدى أن الاحتلال الإسرائيلي ينتهج منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 "سياسة إبادة سردية" ممنهجة، تستهدف اغتيال الحقيقة من خلال استهداف الصحفيين ووسائل نقلها.

ووثّقت الإفادة استشهاد 262 صحفيًا، مشيرةً إلى أن عمليات اغتيالهم لم تكن عشوائية، بل نُفذت بنيّة مبيّتة، مستدلةً بحالات اغتيال الصحفيين حسن أصليح، ومريم أبو دقة، وأنس الشريف، رغم ارتدائهم شارات صحفية واضحة.

كما ربط المنتدى بين استهداف الصحفيين واستهداف عائلاتهم كأداة "ترهيب وضغط مهني"، مستعرضًا استشهاد عدد من أفراد عائلة الصحفي وائل الدحدوح، بينهم زوجته وأبناؤه، إضافة إلى استهداف منزل الصحفي مصطفى الصواف، ما أدى إلى استشهاده وعدد من أفراد عائلته.

ونقل المنتدى قلقه للأمم المتحدة إزاء الإخفاء القسري لثلاثة صحفيين منذ بدء العدوان على غزة، مطالبًا بالكشف الفوري عن مصيرهم، ومشيرًا إلى استمرار اعتقال نحو 50 صحفيًا في ظروف وصفها بغير الإنسانية.

وفيما يتعلق بالبنية التحتية الإعلامية، أوضحت الإفادة أن مئات المقرات الإعلامية في قطاع غزة تعرضت للتدمير، ما تسبب بشلل شبه كامل في العمل الإعلامي، إلى جانب إصابة أكثر من 400 صحفي، يعاني بعضهم من إعاقات دائمة وبتر في الأطراف نتيجة الاستهداف المباشر.

ودعا المنتدى المقررة الأممية إلى تضمين هذه المعطيات في تقريرها المرتقب أمام الجمعية العامة، والمطالبة بفتح تحقيق دولي مستقل في استهداف الصحفيين، باعتباره "انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني".

كما طالب بالضغط للسماح بدخول وسائل الإعلام الدولية إلى قطاع غزة، وتوفير آليات حماية عاجلة للصحفيين العاملين في الميدان.

وشدد المنتدى على أن تقديم هذه الإفادة في هذا التوقيت يأتي بهدف توثيق الانتهاكات ضمن السجلات الدولية، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة.

وارتكبت "إسرائيل" منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.

وخلفت الإبادة أكثر من 245 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.

وتحيي الجمعية العامة للأمم المتحدة اليوم العالمي لحرية الصحافة في كانون الأول/ديسمبر 1993، بناء على توصية من المؤتمر العام ليونسكو. ومنذ ذلك الحين، يُحتفى سنويا بذكرى إعلان ويندهوك في العالم أجمع في 3 أيار/مايو بوصفها اليوم العالمي لحرية الصحافة.

وتقول الأمم المتحدة عبر موقعها الإلكتروني: يأتي يوم 3 أيار/مايو تذكيرا للحكومات بوجوب الوفاء بالتزامها بحرية الصحافة. وهو مناسبة من أجل: الاحتفاء بالمبادئ الأساسية لحرية الصحافة، وتقييم حالة حرية الصحافة في العالم أجمع، والدفاع عن وسائل الإعلام من الاعتداءات على استقلالها، وتكريم الصحفيين الذين قضوا في أثناء أداء واجباتهم.

وعلى الرغم من الاستهداف والقتل الممنهج، يواصل صحفيو غزة نقل الحقيقة من قلب الإبادة، ليبقوا شهودًا على واقع يريد له الاحتلال أن يُمحى.

ويبقى اليوم العالمي لحرية الصحافة شاهدًا على فجوةٍ عميقة بين المبادئ المعلنة وواقع تُدفع فيه الكلمة ثمنًا من الدم

المصدر / فلسطين أون لاين