فلسطين أون لاين

بين الظلام والحلول المؤجلة... بدائل ومسارات متعددة لإنقاذ كهرباء غزة

...
محطة توليد الكهرباء بغزة متوقفة عن العل منذ بدء حرب الإبادة (أرشيف)
غزة/ رامي رمانة:

يطرح خبراء اقتصاديون وممثلون عن القطاع الخاص "خطة إنقاذ" لمعضلة أزمة انقطاع الكهرباء في واقع مركّب يجمع بين العجز المزمن في الإمدادات، وارتفاع تكلفة الوقود، والقيود الإسرائيلية السياسية ما يضع المواطنين أمام أعباء معيشية متزايدة.

وتتقاطع الرؤى بين الحاجة إلى حلول عاجلة تخفف العبء عن المواطنين، وأخرى إستراتيجية تعيد بناء قطاع الكهرباء على أسس أكثر استدامة، مع التأكيد أن أي مقاربة واقعية يجب أن تراعي القدرة الشرائية للسكان وظروفهم المعيشية المتدهورة.

وبينما تبرز الدعوات إلى دعم الوقود وتنظيم سوق المولدات وفرض تسعيرة عادلة، يقابل ذلك طرح يدعو إلى توسيع مصادر التزويد وتطوير البنية التحتية والانفتاح على الطاقة البديلة، ما يعكس تعدد السيناريوهات وتعقيد تطبيقها في ظل القيود القائمة.

ومنذ أن شنّ الاحتلال حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، يعيش أهالي القطاع في ظلام شبه تام بعد أن دُمّرت معظم شبكات الكهرباء خلال الحرب الأخيرة.

وبرزت خلال الفترة الماضية مبادرات محلية لتوليد الكهرباء عبر مولدات تجارية أو أنظمة طاقة شمسية محدودة، تغطي بعض الأحياء وتوفّر ساعات قليلة من التيار يوميًا، لكنها تبقى باهظة التكلفة على معظم المواطنين.

خيارات معالجة الأزمة

في السياق، قال الخبير الاقتصادي د. سمير أبو مدللة إن تأمين إمدادات كهربائية مستقرة في قطاع غزة لم يعد ممكنًا عبر حل واحد، في ظل تعقيدات سياسية وارتفاع تكاليف التشغيل، مؤكدًا أن الخروج من الأزمة يتطلب تبني مزيج متكامل من السيناريوهات الواقعية والمستدامة.

وبين أبو مدللة لصحيفة "فلسطين" أن الخيارات المطروحة لمعالجة الأزمة تتوزع بين عدة مسارات، أبرزها تحسين الوضع القائم عبر دعم تشغيل محطة التوليد وضمان تدفق الوقود، وهو خيار سريع التنفيذ لكنه يظل مرهونًا بعوامل سياسية خارجية وتكاليف تشغيل مرتفعة.

وفي المقابل، يبرز خيار الطاقة الشمسية اللامركزية كأحد الحلول المستدامة، من خلال نشر الأنظمة المنزلية ودعم المرافق الحيوية، ما يقلل الاعتماد على الوقود، رغم ما يتطلبه من كلفة أولية وتحديات تتعلق بالتخزين.

كما لفت أبو مدللة إلى أهمية تطوير الشبكات المصغّرة القائمة على الطاقة الشمسية والبطاريات، لما توفره من مرونة واستقلالية، خاصة في المناطق المكتظة، إلى جانب خيار الربط الخارجي لزيادة كميات الكهرباء المستوردة، رغم ارتباطه بالوضع السياسي.

وفي ما يتعلق بتمويل هذه الحلول، نبه أبو مدللة إلى إمكانية الاعتماد على المنح الدولية، والقروض الصغيرة للأسر، والشراكة مع القطاع الخاص، إضافة إلى نماذج التمويل عبر التوفير، مع ضرورة اعتماد تعرفة كهرباء مرنة تراعي الأوضاع المعيشية للمواطنين.

واقترح أبو مدللة خطة تدريجية تبدأ على المدى القصير بدعم الوقود لمحطة التوليد وصيانة الشبكة وتزويد المرافق الحيوية بالطاقة الشمسية، تليها على المدى المتوسط مشاريع التوسع في الطاقة الشمسية والشبكات المصغّرة وتحسين الجباية، وصولًا إلى بناء نظام طاقة هجين على المدى الطويل يقلل الاعتماد على الوقود التقليدي.

المعالجات الجزئية غير كافية

من جانبه، أكد رئيس اتحاد المقاولين سابقا نبيل أبو معيلق أن حل أزمة الكهرباء في غزة “يبقى في جوهره سياسيًا”، مشيرًا إلى أن أي معالجات جزئية لن تكون كافية دون تغييرات على مستوى مصادر التزويد والبنية التحتية.

وأوضح أبو معيلق لصحيفة "فلسطين" أن من أبرز المسارات المطلوبة إعادة تشغيل الخطوط الإسرائيلية، وتوسعة الخطوط المصرية، والسماح بإدخال المولدات الكهربائية بكافة أحجامها لتغطية العجز الحالي.

كما شدد على ضرورة فتح المجال أمام حلول الطاقة البديلة، من خلال السماح بدخول الخلايا الشمسية والبطاريات بكميات كبيرة، وتمكين المواطنين والمنشآت من الاعتماد على الطاقة الشمسية بشكل أوسع.

ودعا كذلك إلى تبني حلول استراتيجية طويلة الأمد، تشمل إنشاء محطة كهرباء جديدة وكبيرة بمساهمة القطاعين العام والخاص أو أحدهما، إلى جانب إعادة تفعيل محطة الكهرباء القائمة وتحسين كفاءتها التشغيلية.

وسبق أن صرحت شركة توزيع الكهرباء في قطاع غزة أن خسائرها الأولية جراء الحرب الحالية بلغت نحو 450 مليون دولار أمريكي.

وأكدت الشركة أن قدرتها على إعادة تشغيل الكهرباء تعتمد بشكل أساسي على السماح بإدخال مواد الصيانة اللازمة، مثل الكوابل والأعمدة والمعدات، بالإضافة إلى الوقود الضروري لتشغيل محطة التوليد الوحيدة في القطاع، وإعادة تشغيل الخطوط المغذية القادمة من الداخل المحتل.

بدوره، طرح الخبير الاقتصادي محمود القشاش رؤية وصفها بـ"الواقعية والسريعة"، مؤكدًا أن التعامل مع الكهرباء يجب أن يخرج من إطار الربح التجاري إلى كونه خدمة أساسية مرتبطة بصمود المواطنين وتحريك عجلة الاقتصاد.

وأوضح القشاش لصحيفة "فلسطين" أن الكهرباء تمثل مدخلًا إنتاجيًا رئيسيًا، ما يستدعي تدخلًا منظمًا يوازن بين استمرارية الخدمة وعدالة التكلفة، مقترحًا اعتماد نموذج مشابه لدعم المخابز، يقوم على تخفيض الأسعار وضبطها، مع تحديد سقف استهلاك مدعوم لكل أسرة.

وأشار إلى أهمية إشراك المؤسسات الدولية في دعم السولار المخصص لتشغيل المولدات، لكنه حذر من تقديم الدعم دون ضوابط، قائلًا: “أي دعم غير مشروط هو تمويل للاستغلال”.

وأكد أن الحل يكمن في ربط الدعم بشروط واضحة، تشمل تقديم الوقود مقابل تسعيرة كهرباء مُلزمة وعادلة، وفرض رقابة حقيقية من البلديات والمجتمع، وضمان عدالة التوزيع، وتوجيه الدعم مباشرة لخدمة المواطن.

يُذكر أن احتياج قطاع غزة للكهرباء يبلغ حوالي 400 إلى 500 ميغاواط، ويصل إلى 600 ميغاواط في ذروة الاستخدام خلال فصلي الشتاء والصيف.

المصدر / فلسطين أون لاين