﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة: 155
يوم العمال العالمي
في الأول من أيار، لا يُستقبل يوم العمال العالمي هذا العام كلحظة احتفاء، بل كملحمةٍ مفتوحة تُكتب فصولها تحت النار والحصار، حيث يقف العامل الفلسطيني في قلب مشهدٍ يتجاوز حدود المعاناة إلى حدود الصمود الأسطوري. ففي زمنٍ تتهاوى فيه مقومات الحياة، تتسع دائرة البطالة حتى تكاد تبتلع المجتمع بأكمله، وتُمحى فرص العمل تحت وطأة حربٍ وحصارٍ دمّرا البنية الاقتصادية وتركَا خلفهما أرضًا مثقلةً بالجراح، لا سيما في غزة التي تتحول فيها الحياة اليومية إلى امتحانٍ قاسٍ للبقاء.
وفي هذا السياق، يأتي إلغاء الفعاليات النقابية لا كإجراءٍ عابر، بل كإشارةٍ صارخة على عمق الجرح الذي أصاب الطبقة العاملة، تلك التي لم تكن يومًا هامشًا في التاريخ، بل كانت دائمًا في قلب المواجهة، تحمل على كتفيها ثقل الصمود في وجه الاحتلال وسياساته. وتتجلى المأساة أكثر في أرقامٍ تنزف واقعًا: بطالةٌ تتسع بلا سقف، مئات آلاف فقدوا مصادر رزقهم، حماية اجتماعية تتآكل، ومدخراتٌ تُستنزف تحت ضغط الحصار والحرمان، وكأن الزمن نفسه يُعاد تشكيله على إيقاع الفقد.
لقد تحوّل العامل الفلسطيني من صانعٍ للحياة إلى رمزٍ للمواجهة اليومية مع منظومة قهرٍ تسعى لكسر الإرادة وإطفاء جذوة البقاء. ومع ذلك، يبقى حاضرًا كجبهةٍ صلبة لا تنكسر، تُعيد تعريف معنى العمل كفعل مقاومة، ومعنى الصبر كامتدادٍ لفكرة البقاء.
وهكذا، يغدو الأول من أيار هذا العام أكثر من مناسبة؛ إنه شهادةٌ تاريخية تُكتب بمداد الألم والصمود، ونداءٌ مفتوح للعالم كي يرى ما يجري، ويتحرك قبل أن يتحول الصمت إلى شراكة في الجريمة. وفي قلب هذا المشهد، يظل العامل الفلسطيني واقفًا، لا كضحيةٍ فقط، بل كحارسٍ لمعنى الحياة ذاتها في مواجهة العدم.

