شهد البحر المتوسط تطورا خطيرا مع قرصنة بحرية الاحتلال الإسرائيلي أسطولا دوليا مدنيا متجها إلى قطاع غزة في مهمة إنسانية تهدف إلى كسر الحصار وإيصال مساعدات غذائية وطبية، في خطوة وُصفت بأنها تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية في البحر.
ويأتي هذا التصعيد في سياق محاولات متكررة لمنع أي مبادرات دولية رمزية أو عملية تهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة، حيث تم التعامل مع الأسطول بوصفه تهديدا سياسيا وليس مجرد مبادرة إنسانية.
وهاجمت بحرية الاحتلال الأسطول الدولي "أسطول الصمود العالمي" المتجه إلى قطاع غزة لكسر الحصار، وذلك على بعد مئات الكيلومترات في عرض البحر، إذ تم اعتراض عدد كبير من السفن بعيدا عن السواحل. ووفق المعطيات، اعترضت قوات الاحتلال فجر أمس 21 سفينة من أصل 65 سفينة على مسافة تقدر بنحو ألف كيلومتر، مع تهديدها باعتراض بقية القوارب في حال لم تتراجع.
في المقابل، أعلنت قيادة الأسطول أن سفنها تعرضت لعمليات تشويش قبالة السواحل اليونانية، مع اقتراب سفن حربية مجهولة الهوية قبل أن تعرّف نفسها كقوات إسرائيلية. وأوضحت أن الزوارق العسكرية وجهت أشعة ليزر وأسلحة نحو النشطاء، وأجبرتهم على التوجه إلى مقدمة القوارب والركوع، فيما أكدت المتحدثة باسم الأسطول رنا حميدة أن الاحتلال احتجز سبع سفن على الأقل، ولا يزال مصير من كانوا على متنها مجهولا. وشددت على أن جميع السفن ملتزمة بالقانون الدولي، وأن اعتراضها يمثل انتهاكا صارخا، مؤكدة أن حمولتها تقتصر على مساعدات غذائية وطبية.
وكانت قوارب "مهمة ربيع 2026" التابعة لأسطول الصمود قد انطلقت في إطار جهود كسر الحصار وإيصال المساعدات إلى غزة، حيث بدأت رحلتها من برشلونة في 12 نيسان/أبريل، قبل أن تصل إلى صقلية في 23 من الشهر ذاته، وتنضم إليها قوارب ونشطاء من مدن إيطالية عدة. وارتفع عدد القوارب المشاركة إلى نحو 65 قاربا في ميناء أوغوستا، قبل أن تبحر تدريجيا عبر البحر الأبيض المتوسط وفق خطة منظمة نحو قطاع غزة.
جريمة قرصنة
واعتبر صلاح عبد العاطي، مدير عام الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، أن ما جرى يشكل "جريمة قرصنة بحرية متكررة وانتهاكا صارخا لقانون البحار والقانون الدولي الإنساني".
وأكد عبد العاطي لصحيفة "فلسطين" أن اعتراض السفن في المياه الدولية والسيطرة عليها بالقوة، رغم طبيعتها الإنسانية ووجود نشطاء سلام وحقوق إنسان على متنها، يمثل سابقة خطيرة تستدعي تحركا دوليا عاجلا.
وطالب بـ"توفير حماية دولية فورية للنشطاء والمتضامنين على متن الأسطول، وضمان سلامتهم والإفراج عن أي محتجزين منهم دون قيد أو شرط"، مشددا على أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على السفن، وعلى مسافات بعيدة من السواحل، يعكس استهتارا واضحا بالقانون الدولي وحرية الملاحة.
كما دعا إلى "فتح تحقيق دولي مستقل وشفاف في هذه الجريمة، ومحاسبة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي، بما في ذلك تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية".
وأوضح عبد العاطي أن استهداف أسطول يحمل مساعدات إنسانية متجهة إلى قطاع غزة "يكشف إصرار الاحتلال على فرض الحصار بالقوة، ومنع أي جهود دولية لكسره، حتى وإن كانت سلمية وإنسانية بحتة".
وأضاف أن هذه الممارسات لا تقتصر على انتهاك حقوق الشعب الفلسطيني، بل تمتد لتشمل الاعتداء على متضامنين دوليين يعبرون عن ضمير إنساني حي، ما يوسع دائرة الانتهاكات ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية.
وأشار إلى أن ما تعرض له الأسطول من تشويش وتهديدات قبل الهجوم يؤكد وجود نية مسبقة لعرقلة مهمته، عادا أن "هذه الجريمة ترقى إلى مستوى جريمة حرب مكتملة الأركان، نظرا لاستهدافها مدنيين وعاملين في المجال الإنساني في المياه الدولية".
وشدد على أن الصمت الدولي إزاء هذه الانتهاكات يشجع على تكرارها، ويقوض منظومة القانون الدولي برمتها.
ودعا عبد العاطي الدول والمنظمات الأممية إلى التحرك العاجل لضمان حرية الملاحة، والعمل على فتح ممرات إنسانية برية وبحرية وجوية لإيصال المساعدات إلى قطاع غزة دون قيود، مطالبا بفرض عقوبات دولية على دولة الاحتلال ومحاسبة قادتها وجنودها.
كما شدد على ضرورة التزام الدول بتنفيذ التدابير الصادرة عن محكمة العدل الدولية، والعمل الجاد على وقف الانتهاكات الجسيمة، بما يضمن حماية المدنيين وإنهاء الحصار المفروض على القطاع.
منع أي سابقة دولية
من ناحيته، قال أستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس، أحمد رفيق عوض لصحيفة "فلسطين": إن قرصنة "الاحتلال الإسرائيلي لأسطول الصمود تهدف إلى فرض معادلة ردع في البحر، كما هي مفروضة على الأرض في قطاع غزة".
وأوضح أن الاحتلال "يسعى إلى منع أي سابقة دولية قد تكسر الحصار، لأن مجرد وصول سفن مدنية إلى غزة يعني انهيار أحد أهم أدوات الضغط السياسي التي يستخدمها".
وأضاف عوض أن "الأسطول، رغم اعتراضه، نجح سياسيا وإعلاميا في تحقيق جزء كبير من أهدافه، لأنه أعاد تسليط الضوء على الحصار بوصفه قضية دولية، لا شأنا محليا".
وتابع: "(إسرائيل) أرادت أن توجه رسالة ردع قاسية لكل من يفكر في تكرار التجربة، لكنها في المقابل منحت المبادرة زخما عالميا غير مسبوق، ووضعتها في صدارة الاهتمام الإعلامي والسياسي".
وأشار إلى أن توقيت العملية لم يكن عشوائيا، قائلا إن "الاحتلال يدرك حساسية المرحلة دوليا، خاصة مع تصاعد الانتقادات لسلوكه في غزة، ولذلك سعى إلى قطع الطريق أمام أي تحرك رمزي قد يتحول إلى ضغط سياسي حقيقي".
وأردف: "اعتراض السفن في المياه الدولية يعكس رغبة (إسرائيل) في توسيع نطاق سيطرتها، ليس فقط جغرافيا، بل أيضا سياسيا وقانونيا، وهو ما يثير إشكالات عميقة على مستوى القانون الدولي".
وأكد عوض أن "الأسطول حقق اختراقا معنويا مهما، لأنه كسر حاجز الخوف وأثبت أن الحصار يمكن تحديه، حتى لو لم تصل السفن فعليا إلى شواطئ غزة".
وأضاف: "القيمة الحقيقية لهذه الخطوة تكمن في أنها أعادت تعريف أدوات التضامن الدولي، من بيانات وإدانات إلى أفعال ميدانية مباشرة".
وختم بالقول إن "المواجهة لم تنته عند لحظة الاعتراض، بل بدأت فعليا بعدها، لأن تداعياتها السياسية ستتواصل، وقد نشهد مبادرات مشابهة في المستقبل"، مشددا على أن "(إسرائيل) قد تكسب جولة ميدانية، لكنها تخسر تدريجيا في معركة الصورة والرواية أمام الرأي العام العالمي".

