فلسطين أون لاين

وسط تنصل الاحتلال من التزامات اتفاق وقف حرب الإبادة

في يومهم العالمي... عمال غزة يطاردون لقمة العيش تحت الحصار

...
الآلاف من العمال الغزيين باتوا فريسة لظروف معيشية توصف أمميا بأنها كارثية
غزة/ نبيل سنونو:

أمام خيمة نزوحه القسري وسط مدينة غزة، يعرض الشاب مهند فطوم بعض الخردة التي جمعها من الشوارع في محاولة أخيرة لبيعها وكسب لقمة عيش طفليه وزوجته، بعد أن فقد مصدر دخله كعامل بناء خلال حرب الإبادة الجماعية.

وتحت وطأة الحصار الإسرائيلي المطبق والارتفاع الحاد في الأسعار والدمار الواسع الذي خلفته الحرب بما يشمل المنشآت الصناعية، يكابد فطوم من أجل البقاء، كحال الآلاف من العمال الغزيين الذين باتوا فريسة لظروف معيشية توصف أمميا بأنها كارثية، بينما يحتفل العالم بيوم العمال الذي يحل سنويا في الأول من مايو/أيار.

يقول فطوم لصحيفة "فلسطين"، إنه وصل إلى مراحل متقدمة في العمل بمجال البناء قبل الحرب التي شنها الاحتلال في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حتى وصل إلى درجة "صنايعي"، لكنه عاد الآن إلى نقطة الصفر.

ويوضح أنه كان يعمل قبل الحرب 12 ساعة يوميا بمقابل أجرة 70 شيقلا، تمكنه إلى حد ما من سد الاحتياجات الأساسية لأسرته وأهله، بينما يعجز اليوم عن توفير أدنى مقومات الحياة. وفقد فطوم خلال الحرب منزله الواقع في حي التفاح شرق مدينة غزة، ما ضاعف معاناته.

وعن محاولاته لكسب الرزق خلال الحرب، يقول فطوم: كنت أجمع الخشب والبلاستيك، وحاليا الحديد والخردة مثل الأسلاك والوصلات الكهربائية أو المراوح بهدف بيعهم إن أمكن، وتوفير بعض الطعام.

لكنه يضيف أنه لا يُحصّل أكثر من 20 شيقلا في اليوم، وهو مبلغ زهيد في ظل ارتفاع الأسعار الذي يتسبب به الحصار.

اقرأ أيضا: وزارة العمل تكشف أرقام "صادمة" حول البطالة والفقر في غزَّة

وفي اليوم العالمي للعمال، ينتقد فطوم العالم الذي يعجز عن إنهاء الحرب على غزة وتوفير فرص العمل حتى يتمكن العمال من توفير مستلزمات عيش أسرهم، مشيرًا إلى أن الغزيين باتوا بفعل الحرب بحاجة إلى المساعدات ويلاحقون تكيات الطعام والمياه وأدنى متطلبات العيش.

وفي مشهدٍ آخر يعكس معاناة عمال غزة، يكافح محمد القانوع (40 عاما) لبيع بعض أكياس النايلون تحت أشعة الشمس اللاهبة وسط المدينة.

يقول القانوع لصحيفة "فلسطين"، إنه كان يعمل قبل الحرب في مجال بيع الملابس لست ساعات يوميا مقابل 30 شيقلا، لكنه فقد فرص عمله، ويحاول اليوم تحصيل بضعة شواقل من خلال بيع النايلون، للإنفاق على أبنائه الثلاثة.

وبمقارنة وضعه قبل الحرب بما هو عليه حاليا، يقول: لم أكن أستطيع توفير احتياجات أبنائي بالكامل، لكن اليوم الوضع أسوأ بكثير. كما ترى، أتجول في هذا الشارع ذهابا وإيابا، وأحتار إلى أين أذهب وكيف أبيع النايلون.

ويفيد القانوع بأنه لا يُحصل حاليا سوى 10-15 شيقلا يوميا، وهو مبلغ لا يكاد يذكر أمام الارتفاع الهائل في الأسعار.

ويترك ذلك آثارا نفسية أيضًا على القانوع الذي يعيش في خيمة نزوح قسري بعد تدمير الاحتلال منزله. "ما الي نفس أشوف حد من الحصار والحرب، والميّة بتدخل على الخيمة وبتغرقها والله أعلم بالحال"، يطلق الرجل كلماته كصرخة مدوية تحمل وجعه.

وعن اليوم العالمي للعمال، يقول: "احنا مش مبسوطين، ولو مليون يوم عالمي"، مشتكيا من أنه لا يتلقى مساعدات من المؤسسات الدولية: "لا شوادر ولا مصاري ولا فرص عمل ولا اشي".

دائرة مفرغة

WhatsApp Image 2026-04-30 at 1.26.59 PM.jpeg
 

على رصيف ساخن وسط مدينة غزة، يطرق محمود السرساوي قطعة من الحديد محاولا تعديلها. لم يكن يوما يتوقع أن يفقد عمله في معمل للبلاط، ويصبح بلا مصدر دخل.

يتصبب السرساوي عرقًا بينما يقول لصحيفة "فلسطين": "كانت يوميتي قبل الحرب 40 شيقل، أصرفهم على أسرتي، لكن لما اجت الحرب تغير كل شيء.. انقصف المعمل".

وبعد طول انتظار، حصل السرساوي على فرصة للعمل لبضعة أيام في مجال تعديل الحديد، لكنه لا يدري ماذا سيفعل بعدها، إذ سيعود إلى دائرة مفرغة من التعطل عن العمل.

ويعيل الشاب طفلة تعاني من سوء التغذية بعد أن أنجبتها والدتها في ظل المجاعة، كما أنها تحتاج إلى الحفاضات والحليب. يقول والدها: "تمن باكيت الحفاضات حاليا 50 شيكل. أنا في اليوم الواحد ما بقدر أجمع هدا المبلغ".

ويشير إلى أنه يعمل حاليا مقابل 30 شيقل فقط يوميا، بينما يبلغ الكيلوجرام الواحد من البندورة على سبيل المثال 10 شواقل، ما يحد من قدرته الشرائية للمستلزمات الأساسية.

ويطالب السرساوي العالم الذي يحيي يوم العمال بالعمل على تحسين الوضع الاقتصادي في غزة، وتوفير فرص للعمل فيها.

على مقربة منه، يواجه أشرف شلح (34 عاما) ذات الظروف المعيشية والاقتصادية. كان الشاب يعمل في مجال الطوبار والخياطة قبل الحرب لكنه اليوم يعتمد على المساعدات الإنسانية.

يوضح شلح لصحيفة "فلسطين"، أنه يعيل أسرته المكونة من خمسة أفراد، لكنه يعجز عن توفير احتياجاتها منذ أن فقد عمله وبيته بسبب الحرب.

ويضيف أنه يتطلع إلى الحصول على مساعدة نقدية منتظمة من المؤسسات الدولية، مطالبا العالم بالضغط على الاحتلال لفتح المعابر وإدخال البضائع والسلع بما يساهم في إعادة الحياة الاقتصادية للقطاع.

وتأتي معاناة عمال غزة ضمن دائرة أوسع من تداعيات الحرب والحصار، إذ يعيش نحو 96% من المواطنين في القطاع (2.1 مليون نسمة) تحت وطأة مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، مع بلوغ معدلات الفقر نسبا غير مسبوقة تجاوزت 90% بينما ارتفعت البطالة إلى أكثر من 80%، حسبما قالت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية عزيزة الكحلوت في تصريحات سابقة لصحيفة "فلسطين".

وبدأت (إسرائيل) يوم 10 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حرب إبادة جماعية على غزة بدعم أمريكي، واستمرت لاحقا بأشكال متعددة، وخلّفت أكثر من 72 ألف شهيد ونحو 172 ألف مصاب، ودمارا هائلا طال 90% من البنى التحتية المدنية.

وبينما تواصل (إسرائيل) احتلال أكثر من 50% من مساحة القطاع، يعيش مئات الآلاف من النازحين في خيام ومدارس ومراكز إيواء ومناطق مفتوحة، بعد تدمير منازلهم جراء الحرب الإسرائيلية، وسط أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية.

ورغم اتفاق وقف الحرب المبرم في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فإن حناجر عمال غزة المتعبة لا تزال تطلق صرخات لا يسمعها العالم.

المصدر / فلسطين أون لاين