على أطراف حي النصر غرب مدينة غزة، يقف مصطفى حمدونة وسط كومة هائلة من الركام، ينحني ليرفع حجرًا تلو الآخر بيديه المتعبتين، وكأنه يحاول استعادة ما تبقى من حياته التي دُفنت تحت أنقاض منزله.
منذ أن دُمّر منزله خلال الحرب، اضطر حمدونة للانتقال مع عائلته المكوّنة من سبعة أفراد إلى منزل مستأجر، يثقل كاهله بإيجار شهري يفوق قدرته. ولم يكن الإيجار وحده عبئًا، بل أيضًا شعور الفقد الذي يلازمه كلما تذكّر منزله وورشة النجارة التي كانت مصدر رزقه الوحيد قبل أن تتحول إلى كومة من الحجارة.
يقول حمدونة، وهو يمسح عرقه بكمّ قميصه المغبر، لصحيفة "فلسطين": "هذا الركام ليس مجرد حجارة.. هذا عمري كله؛ بيتي وذكرياتي ومصدر رزقي".
لم ينتظر الرجل وعود إعادة الإعمار التي طال أمدها، بل قرر أن يبدأ بنفسه، مستعينًا بعدد من العمال وأدوات بدائية كالمهدّات والمطارق والمجارف، في محاولة شاقة لإزالة الركام. ويضيف: "نعمل بأبسط الأدوات، لا جرافات ولا معدات ثقيلة.. فقط أيدينا"، بصوت يجمع بين الإصرار والإنهاك.
لم يكن هدفه إعادة بناء المنزل بالكامل، بل إقامة خيمة فوق أنقاضه تعيد له شيئًا من الاستقرار، وتخفف عنه عبء الإيجار. لكنه يحمل حلمًا آخر: "أريد إنشاء ورشة نجارة صغيرة هنا.. حتى لو كانت بدائية، المهم أن أعود للعمل".
ورغم هذا الإصرار، لا يخفي حمدونة شعوره باليأس: "سمعنا كثيرًا عن وعود إعادة الإعمار، لكن لا شيء على الأرض.. نعيش على الأمل فقط".
ويتابع: "كل يوم تأخير يعني مزيدًا من المعاناة.. لا نستطيع الانتظار أكثر".
بين ضربات المطرقة وغبار الركام، يحاول حمدونة إعادة ترتيب حياته من الصفر، في مشهد يلخص واقع آلاف الغزيين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين لمواجهة الدمار بأيديهم.
مبادرات فردية
بدأ العديد من المواطنين باتخاذ خطوات فردية لإزالة ركام منازلهم في ظل تأخر تنفيذ وعود إعادة الإعمار، معتمدين على إمكانات محدودة ومعدات بسيطة. ولم يكن هذا التوجه خيارًا بقدر ما فرضته الظروف القاسية، حيث يسعى النازحون لإيجاد مأوى فوق أنقاض منازلهم، هربًا من الإيجارات المرتفعة وفقدان الخصوصية داخل مخيمات ومدارس الإيواء المكتظة.
وفي ظل غياب الآليات الثقيلة وارتفاع تكاليف استئجارها، تحوّلت عملية إزالة الركام إلى جهد يدوي شاق، يعكس حجم المعاناة، ويكشف في الوقت ذاته عن إصرار السكان على استعادة الحد الأدنى من حياتهم.
في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يقف محمد الخضري أمام ركام منزله المدمر بالكامل، يتأمل بصمت ما تبقى من مبنى كان يتكوّن من أربعة طوابق قبل أن يتحول إلى جبل من الحجارة والحديد.
لم يجد الخضري خيارًا سوى اتخاذ قرار صعب: إزالة الركام على نفقته الخاصة، رغم التكاليف الباهظة. يقول: "انتظرت طويلًا، لكن لا يبدو أن الإعمار سيبدأ قريبًا.. لا يمكن أن أبقى هكذا إلى الأبد".
استأجر عمالًا وجرافة لبدء العمل، تمهيدًا لإقامة خيمة تأويه وعائلته، بحثًا عن خصوصية افتقدها في مراكز الإيواء. ويضيف: "العيش في الخيام بين الناس صعب.. لا خصوصية ولا راحة".
لكن القرار جاء بكلفة مرتفعة، إذ يوضح: "دفعت نحو 30 ألف شيكل لإزالة الركام فقط.. مبلغ كبير، لكنه كان ضروريًا".
ويتابع: "كان يمكن أن يساعدني هذا المبلغ في البناء، لكن لا خيار آخر".
ويرى الخضري أن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء والمعدات الثقيلة تمثل العائق الأكبر أمام إعادة الإعمار: "حتى لو أردنا البناء، لا توجد مواد كافية ولا معدات.. كل شيء معطّل".
ورغم قسوة الواقع، يتمسك بالأمل: "سأقيم خيمة هنا.. على الأقل أشعر أنني في بيتي، حتى لو كان مجرد أرض".
ويختم بمرارة: "لا نبحث عن رفاهية.. فقط نريد مكانًا نعيش فيه بكرامة".
طلب متزايد
من جانبه، يؤكد عاطف عجور، صاحب جرافة خاصة، أن الطلب على خدمات إزالة الركام يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة. ويقول: "هناك زيادة مستمرة في عدد العائلات التي تطلب إزالة ركام منازلها، بشكل لم نشهده سابقًا".
ويضيف: "إزالة الركام ليست عملية بسيطة، بل تتطلب جهدًا ووقتًا وتكاليف عالية، قد تصل إلى نحو 30% من تكلفة بناء المنزل".
ويعزو عجور هذا التوجه إلى عدة عوامل، أبرزها تأخر تنفيذ وعود إعادة الإعمار، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية: "الناس لم تعد قادرة على الانتظار".
ويتابع: "الكثير من العائلات تسعى لإقامة مأوى فوق أنقاض منازلها بحثًا عن الخصوصية، بعد معاناة طويلة في مراكز الإيواء".
كما يشير إلى بُعد اقتصادي آخر، يتمثل في محاولة بعض المواطنين استغلال أراضيهم لإنشاء مصادر رزق بديلة، مثل ورش صغيرة أو محال، بعد فقدان أعمالهم.
ويختتم: "الوضع صعب للغاية، والإمكانات محدودة، لكن ما يدفع الناس هو مزيج من اليأس والرغبة في الاستمرار".

