فلسطين أون لاين

حين حمله دون أن يعرفه

تقرير "بلال" يكتشف أن الشهيد هو شقيقه المسعف "إبراهيم"

...
تشييع جثمان الشهيد المسعف إبراهيم أبو صقر
 غزة/ جمال غيث

صُدم بلال أبو صقر، بأن الشهيد الذي يحمله ويدخله إلى سيارته هو شقيقه إبراهيم، المسعف الذي خرج صباحًا لأداء واجبه الإنساني، قبل أن تستهدفه طائرة مسيّرة إسرائيلية قرب دوار التوام، شمال قطاع غزة.

واستُشهد صباح أمس، المسعف إبراهيم أبو صقر، أحد متطوعي الخدمات الطبية، إثر استهدافه بصاروخ إسرائيلي قرب دوار التوام شمال غربي قطاع غزة، أثناء توجهه إلى عمله في نقطة طبية بالمنطقة.

المقعد الخلفي

ويروي بلال، لمراسل "فلسطين أون لاين" تفاصيل اللحظات الأولى، بصوتٍ مثقلٍ بالذهول: "كنت أقود سيارتي في تلك المنطقة، وفجأة أوقفني عدد من المواطنين، كانوا يصرخون ويطلبون المساعدة لنقل مصاب سقط جراء القصف، لم أتردد لحظة، نزلت بسرعة، وساعدت في حمله ووضعه في المقعد الخلفي، لم أكن أعلم من هو، كل ما كان يشغلني أن أنقذه بأسرع وقت".

6021783529454243099.jpg

انطلق بلال، مسرعًا باتجاه مجمع الشفاء الطبي، محاولًا تجاوز الطرق المدمّرة والازدحام، بينما كانت دقات قلبه تتسارع: "كنت أقول له طوال الطريق اصبر، وصلنا تقريبًا، سننقذك"، ويضيف بلال، قبل أن يتوقف قليلًا، وكأنه يستعيد تلك اللحظة الثقيلة.

ويتابع: "في منتصف الطريق، التفت إلى الخلف لأطمئن عليه، وهنا كانت الصدمة، نظرت جيدًا، لم أصدق ما أرى، كان أخي "إبراهيم" تجمدت يداي للحظة، شعرت أن الدنيا توقفت، حاولت أن أناديه، أن أحركه، لكن كان قد استُشهد بمجرد أن تم استهدافه".

ويكمل أبو صقر، والحزن يرتسم على وجهه، وقد تحولت الرحلة في لحظة من محاولة إنقاذ إلى وداع مفجع: "لم أعرف كيف أكملت الطريق، كنت أبكي وأختنق، لكنني واصلت القيادة، أردت فقط أن أصل به إلى المستشفى، رغم أنني كنت أعلم في داخلي أنه رحل".

ويلفت أحد أقاربه الذي حضر لمجمع الشفاء الطبي لوداعه، "إبراهيم" وهو أب لأربعة أطفال، كان قد خرج صباح أمس، متوجهًا إلى عمله كمتطوع في إحدى النقاط الطبية القريبة من دوار التوام، فكان ملتزم بعمله، واستعداده لخدمة المصابين في أصعب الظروف، لكن ما إن وصل إلى محيط النقطة، حتى استهدفته طائرة مسيّرة بشكل مباشر، ما أدى إلى استشهاده على الفور قرابة الساعة العاشرة صباحًا.

يقول شقيقه بلال: "إبراهيم لم يكن فقط أخي، كان إنسانًا استثنائيًا، كان دائمًا أول من يصل لمساعدة الناس، لا يرفض نداءً، ولا يخاف من الخطر، كان يخرج كل يوم وهو يعلم أن حياته مهددة، لكنه كان يقول إن هذا واجبه".

ويضيف: "المؤلم أن من كان ينقذ الناس، أصبح هو بحاجة لمن ينقذه، والأصعب أنني كنت أنا من حمله دون أن أعرفه، هذا شعور لا يمكن وصفه".

مأساة مستمرة

ولا تقف المأساة عند هذا الحد، يشير بلال، إلى أن شقيقه "إبراهيم" التحق بوالدهما، الذي استُشهد في بداية الحرب أثناء قيامه بعمل إنساني في شمال القطاع، "والدي استُشهد وهو يساعد الآخرين أيضًا، وإبراهيم لحق به، كأن هذه العائلة كُتب عليها أن تدفع ثمن إنسانيتها".
ويتابع أبو صقر لمراسلنا: "قبل ثلاث سنوات فقدنا والدي، واليوم نفقد إبراهيم، الألم يتكرر، لكن هذه المرة كان أقسى، لأنني كنت معه في اللحظة الأخيرة، دون أن أعرف".

كما يلفت إلى أن العائلة لا تزال تعيش قلقًا مستمرًا فشقيقه "محمد" فُقد بعد اعتقاله على حاجز الإدارة المدنية شمالي القطاع نهاية عام 2024، ولا يُعرف مصيره حتى الآن، ما يضيف عبئًا آخر من الحزن والترقب.

وعقب وصول بلال، إلى مجمع الشفاء الطبي، تجمّع أفراد العائلة والمسعفون حول جثمان إبراهيم، "كان مشهدًا صعبًا جدًا، زملاؤه كانوا يبكونه، يقبلونه، يتحدثون عنه بفخر، كلهم قالوا إنه كان شجاعًا، مخلصًا، لا يتأخر عن أحد".

استهدافات متكررة

من جهته، أكد مدير الإسعاف والطوارئ في شمال قطاع غزة، فارس عفانة، أن ما حدث مع إبراهيم أبو صقر، ليس حادثًا معزولًا، بل يأتي ضمن سلسلة استهدافات متكررة للطواقم الطبية.

وقال عفانة لمراسل "فلسطين أون لاين": إن المسعفين يعملون في ظروف بالغة الخطورة، ويتعرضون للاستهداف المباشر أثناء أداء واجبهم الإنساني.

وأشار عفانة، إلى أن القطاع، شهد حوادث دامية بحق المسعفين، من بينها إعدام 15 مسعفًا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي في رفح خلال مارس 2025، في واقعة وُصفت بأنها من أبشع الجرائم بحق العاملين في المجال الإنساني.

وتتواصل في قطاع غزة الهجمات رغم اتفاق وقف إطلاق النار، حيث تُسجّل خروقات متكررة عبر القصف الجوي والمدفعي، إلى جانب استهداف مناطق مأهولة بالنازحين، وسط أوضاع إنسانية متدهورة ونقص حاد في الإمكانات الطبية.

وفي ختام حديثه، يقول بلال: "إبراهيم رحل، لكنه ترك وراءه رسالة، كان يؤمن بأن إنقاذ حياة إنسان أهم من كل شيء، أتمنى ألا يُنسى، وأن يعرف العالم ماذا يحدث هنا نحن لا نفقد فقط أحباءنا، بل نفقد جزءًا من إنسانيتنا كل يوم".

المصدر / فلسطين أون لاين