في غزة، لا تكتمل فرحة الولادة دائمًا، إذ كثيرًا ما تختطفها نيران الحرب وتحوّلها إلى حكاية ألم مفتوحة. هكذا انقلبت لحظة انتظار المولود الجديد لدى الشاب علي سهيل عليان (33 عامًا) إلى مأساة إنسانية قاسية، بعدما حرمته إصابة خطيرة في الرأس من ذاكرته، ليجد نفسه غريبًا عن زوجته وأطفاله، يعيش داخل جسده بلا ماضٍ، وتحت سقف خيمة لا تقيه وجعه.
لم يكن علي يعلم أن خروجه لتأمين احتياجات زوجته، التي كانت ترقد في المستشفى استعدادًا لولادة طفلهما الثاني "يزن"، سيكون آخر مشهد يحتفظ به عقله قبل أن تداهمه غارة إسرائيلية، تقلب حياته رأسًا على عقب.
تزوج علي قبل سنوات، وعاش مع زوجته هديل ستة أعوام من الانتظار والدعاء حتى رزقا بطفلتهما الأولى "أيلا"، ثم "يزن" الذي أتم شهره السابع، ليأتي ميلاده في ظل الحرب محمّلًا بفرح ناقص سرعان ما تحوّل إلى مأساة.
فرحة مسروقة عند بوابة الميلاد
تروي زوجته هديل أحمد هاشم (25 عامًا) تفاصيل اللحظة التي غيّرت كل شيء لـ "فلسطين أون لاين"، قائلة: "كان علي ينتظر قدوم يزن بشوق كبير، وكأنه يعوّض سنوات الحرمان. يومها، وبينما كنت في غرفة الولادة، خرج ليجلب ملابس الطفل واحتياجاته، لكن الغارة كانت أسرع من أحلامه".
لم يعد علي حاملًا ثياب مولوده، بل عاد جسدًا مثخنًا بالشظايا، بعدما استهدفته غارة أثناء توجهه إلى المستشفى، لتبدأ رحلة طويلة من الألم، انتهت بفقدانه ذاكرته في اللحظة ذاتها التي أبصر فيها ابنه النور.
وبحسب التقارير الطبية، فإن إصابته تُعد بالغة الخطورة، إذ استقرت شظية في الجانب الأيمن من رأسه واخترقت الجمجمة إلى الجهة اليسرى، مخلّفة دمارًا واسعًا في الخلايا العصبية، ما أفقده القدرة على المشي، وسلبه ذاكرته بالكامل.
حياة بلا ذاكرة
تصف هديل حال زوجها بمرارة: "يصاب بنوبات تشنج عنيفة، ويضرب رأسه محاولًا استعادة أي شيء، لكنه لا يتذكرنا. ينظر إليّ وكأنني غريبة، ولا يعرف أن يزن ابنه الذي انتظره طويلًا".
وتتابع والدموع تسبق كلماتها: "أصعب اللحظات حين تناديه أيلا بكلمة 'بابا'، تنتظر حضنه، لكنه يحدّق بها بذهول. أما يزن، فيكبر دون أن يشعر بحنان والده ولو مرة واحدة".
وتضيف بصوت مختنق: "أحيانًا أتمنى أن يغضب أو يناديني باسمي، أي شيء يثبت أنه ما زال هنا. لكني أراه غريبًا في جسد من أحببت. أبكي عليه وعلى ذاكرته التي كانت مليئة بأحلامنا".
معاناة تتفاقم داخل الخيام
على مقربة من خيمة علي، يعيش شقيقه الأكبر رجب عليان (38 عامًا)، الذي يصف حال أخيه قائلًا: "الإصابة في الرأس أفقدته وعيه وحياته كما عرفناها. نوبات التشنج التي يعانيها مرعبة، بين صراخ مفاجئ وصمت تام".
ويشير إلى أن بيئة النزوح تزيد من معاناة علي: "نعيش في خيام تفتقر لأبسط المقومات، بينما يحتاج إلى رعاية خاصة وهدوء، لكن الحرارة والغبار والضجيج تفاقم حالته".
قبل الحرب، كان علي قد أنهى تجهيز شقته الجديدة ليبدأ حياة مستقرة، إلا أن القصف دمّر كل شيء، لتتحول أحلامه إلى ركام، وتُجبر عائلته على النزوح إلى خيمة مهترئة.
حلم العلاج المؤجل
لا تتوقف مأساة علي عند حدود الإصابة، بل تمتد إلى واقع آلاف الجرحى في غزة، الذين ينتظرون فرصة سفر للعلاج عبر معابر مغلقة. ويؤكد شقيقه أن بقاءه دون علاج مناسب يعني "إعدامًا بطيئًا"، في ظل انهيار المنظومة الصحية.
وفي وقت تتحول فيه الخيام إلى ما يشبه غرف إنعاش بدائية، تتآكل فرص النجاة يومًا بعد يوم، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويختتم رجب مناشدته بدعوة المؤسسات الدولية للتدخل العاجل، للسماح بسفر شقيقه لتلقي العلاج، بينما تقول هديل: "لا نطلب المستحيل، فقط نريد فرصة علاج قد تعيد لعلي ذاكرته، ليعود أبًا يحتضن أطفاله الذين سُرقت فرحته بهم".