في خضمّ انسحاب عسكري كثيف وتحت غطاء ناري عنيف، اختفى الشاب محمد فواز غازي الجردلي (24 عامًا)، تاركًا خلفه قصة مفتوحة على كل الاحتمالات، دون أي دليل حاسم يوضح مصيره حتى اليوم.
يروي صابر محمود الجردلي، أحد أقاربه، تفاصيل اليوم الأخير قائلًا: “كان يوم الجمعة، الموافق 1 مارس/آذار 2024. بعد صلاة العصر مباشرة، خرج محمد من عند والده في منطقة المشروع – حي الأمل بخانيونس. لم يكن يحمل هاتفًا أو وسيلة تواصل، وكانت هذه أول مرة يتجه فيها إلى هناك”.
ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن خروجه لم يكن بتكليف مباشر، بل بدافع شخصي، بعد حديث مع والده بشأن احتياجات مالية وبعض اللوازم، فبادر بالذهاب لإحضارها.
وفي تلك اللحظة، كانت المنطقة تشهد انسحابًا للقوات الإسرائيلية باتجاه مدينة حمد، تزامن مع كثافة نارية لتغطية الانسحاب، ما جعل الحركة في المكان شديدة الخطورة.
ويتابع صابر: “منذ تلك اللحظة، لم يعد محمد… لقد اختفى تمامًا”.
بلاغ متأخر وبداية البحث
لم يُكتشف اختفاء محمد فورًا، إذ كان معتادًا على المبيت أحيانًا خارج المنزل. وبعد نحو أسبوع إلى عشرة أيام، بدأت والدته تشعر بقلق متزايد نتيجة غيابه، لتتواصل مع والده الذي أكد أنه لم يعد إليه منذ خروجه.
ويقول صابر: “من هنا بدأنا البحث. توجهنا إلى المستشفيات، وإلى الصليب الأحمر، وعدنا إلى منطقة المشروع بعد انسحاب الجيش، لكن لم نجد أي أثر له، لا في الشقة ولا في المكان”.
خلال عمليات البحث، تلقت العائلة روايات متناقضة؛ إذ قال البعض إنه شوهد مقتولًا، فيما أشار آخرون إلى احتمال اعتقاله، دون وجود أي تأكيد رسمي لأي رواية.
ويؤكد صابر: “لم نجد أي أثر له… لا ملابس، لا هوية، لا شيء. كأن الأرض ابتلعته”.
بين المقابر والمستشفيات
لم تتوقف رحلة البحث عند هذا الحد، بل امتدت إلى المستشفيات والجثامين مجهولة الهوية.
ويضيف: “كنا نذهب إلى مستشفى ناصر ونحاول التعرف عليه بين الجثامين، لكن كثيرًا منها كان في حالة تحلل أو عظام فقط، ما جعل عملية التعرف شبه مستحيلة”.
لاحقًا، ظهرت روايات غير موثقة من أسرى محررين تفيد برؤيته في عدد من السجون، بينها النقب ونفحة وعوفر، إلا أن العائلة لم تتمكن من التحقق من أي منها.
ويقول صابر: “أبلغنا الجهات المختصة، لكن الصليب الأحمر أكد أن التواصل متوقف ولا تتوفر أي معلومات”.
أمّ معلّقة بين الأمل والغياب
حتى اليوم، تواصل والدة محمد البحث عنه بين المؤسسات والجهات المختلفة، دون أي إجابة حاسمة.
“نعيش بين أمل أنه حي، وخوف أنه استشهد… لكن لا دليل على أي شيء”، يقول صابر.
ويصف محمد بأنه شاب هادئ وغير متهور، لم يكن يبحث عن المخاطرة، وكان واعيًا لتداعيات الظروف المحيطة به.
لا تنفصل قصة محمد عن واقع أوسع في قطاع غزة، حيث تتزايد أعداد المفقودين في ظل استمرار الحرب وتعقّد الأوضاع الميدانية.
وتشير تقديرات حقوقية ومحلية إلى وجود آلاف المفقودين، سواء تحت الأنقاض أو في ظروف مجهولة، في ظل صعوبة عمليات البحث والإنقاذ، وغياب آليات واضحة لتبادل المعلومات حول المعتقلين.
وتعيش عائلات هؤلاء المفقودين حالة مستمرة من القلق والانتظار، بين احتمالات متناقضة، دون قدرة على حسم مصير أحبّتهم أو الوصول إلى إجابات نهائية.
ورغم مرور أكثر من عام على اختفائه، تبقى قصة محمد الجردلي معلّقة بين روايات متضاربة وصمت ثقيل، فيما تواصل عائلته البحث على أمل العثور على خيط يقود إلى الحقيقة.