تتصاعد الدعوات لمراجعة سياسات التقشف داخل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، مع مطالبات متزايدة بتوجيه إجراءات خفض النفقات نحو المستويات الإدارية العليا، بدل المساس بالخدمات الأساسية المقدمة للاجئين أو حقوق الموظفين، وذلك في ظل أزمة مالية خانقة تهدد استمرارية عمل الوكالة.
وتواجه الأونروا منعطفًا حادًا يجمع بين عجز مالي متفاقم وضغوط سياسية مستمرة، في وقت يرى فيه خبراء أن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمية لسنوات من تقليص الدعم الدولي، خاصة الأمريكي، ما دفع الوكالة إلى تبني إجراءات تقشفية انعكست بشكل مباشر على جودة الخدمات الإغاثية والصحية والتعليمية.
وفي مؤشر على عمق الأزمة، أعلنت الوكالة مؤخرًا عن حزمة إجراءات تقشفية في الضفة الغربية، طالت القطاع التعليمي بشكل مباشر، شملت تقليص الدوام المدرسي إلى أربعة أيام أسبوعيًا بدلًا من خمسة، وخفض ساعات عمل الموظفين، بمن فيهم المعلمون والطواقم التربوية، بنسبة 20%، بما يتماشى مع الجدول الجديد.
من جهته، قال الخبير الاقتصادي خالد أبو عامر إن الأزمة المالية للأونروا ليست طارئة، بل تعود جذورها إلى سنوات سابقة، وتفاقمت بعد قرار دونالد ترامب خلال ولايته الأولى تقليص الدعم الأمريكي للوكالة، والذي كان يشكل نحو نصف إجمالي التمويل، بقيمة تراوحت بين مليار و1.3 مليار دولار.

الخبير الاقتصادي، خالد أبو عامر
وأوضح أبو عامر لـ "فلسطين أون لاين"، أن هذه التطورات دفعت الوكالة إلى تنفيذ برامج تقشف قاسية، لم يكن قطاع غزة بمنأى عنها، حيث جرى وقف برامج التوظيف، خاصة نظام المياومة، إضافة إلى فصل أكثر من 600 موظف نزحوا لاحقًا إلى مصر خلال ذروة الحرب.
اقرأ أيضًا: الأونروا: ضغوط سياسية واقتصادية تقلص خدمات اللاجئين بنسبة 20%
وأضاف أن الموظفين تأثروا كذلك بإلغاء تثبيت سعر صرف الدولار عند 3.70 شيكل، وتركه لتقلبات السوق، ما أدى إلى تراجع فعلي في رواتبهم بنسبة تتراوح بين 15% و20%.
وأشار إلى أن تداعيات الأزمة طالت الخدمات المقدمة للاجئين، إذ شهدت العيادات التابعة للوكالة نقصًا حادًا في الأدوية الأساسية، إلى جانب تراجع برامج الدعم الغذائي، مثل الكوبونات، خاصة خلال فترات الحرب، ما يعكس حجم الضائقة المالية التي تمر بها المؤسسة الأممية.
ولم يغفل أبو عامر البعد السياسي للأزمة، مؤكدًا أن هناك مساعٍ مستمرة لإنهاء دور الوكالة عبر تقليص تمويلها واستهداف عملها، إلى جانب ممارسة ضغوط على المانحين، عربًا ودوليين، لتقليص مساهماتهم، بما يهدد بوقف خدماتها.
وبحسب تقارير مالية حديثة، بلغت الفجوة التمويلية للأونروا مع بداية الربع الثاني من عام 2026 نحو 450 مليون دولار.
في السياق ذاته، شدد الخبير الاقتصادي يزيد محمد الناظر على ضرورة أن تركز سياسات التقشف على "رأس الهرم الإداري"، داعيًا إلى تقليص الامتيازات والرواتب المرتفعة لكبار المسؤولين قبل المساس بحقوق الموظفين ذوي الدخل المحدود.

الخبير الاقتصادي، يزيد محمد الناظر
وأوضح الناظر لـ"فلسطين أون لاين" أن تحقيق الاستدامة المالية يتطلب مراجعة جريئة لبنية النفقات، معتبرًا أن تقليص الفجوة بين رواتب الإدارة العليا والموظفين ليس مجرد خيار مالي، بل "ضرورة أخلاقية" لضمان استمرار عمل الوكالة.
ودعا إلى التدقيق في النفقات التشغيلية غير الضرورية، مؤكدًا وجود مساحات واسعة للترشيد في الجوانب الإدارية واللوجستية، دون التأثير على الخدمات المباشرة للاجئين أو الأمن الوظيفي للعاملين.
اقرأ أيضًا: عام من حصار "أونروا" في غزة… خدمات تتآكل وكارثة إنسانية تتفاقم
كما طالب الناظر بقدر أكبر من الشفافية، من خلال كشف الإجراءات الإصلاحية للرأي العام، بما يعزز الثقة بين الوكالة والمانحين، وكذلك مع مجتمع اللاجئين والموظفين.
وحذّر في ختام حديثه من حصر الحلول في تقليص حقوق الموظفين الصغار، مؤكدًا أنهم يشكلون العمود الفقري للخدمات التعليمية والصحية والإغاثية، وأن أي مساس بهم سينعكس سلبًا على جودة الأداء، ويزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي داخل المجتمع اللاجئ.

