تواجه عيادات طبّ الأسنان في قطاع غزة أزمة خانقة تهدد استمرار عملها، مع عجز حاد في تأمين اللوازم الطبية الأساسية نتيجة القيود الإسرائيلية المتواصلة منذ أكثر من عامين ونصف العام، ما أدى إلى إغلاق عدد من العيادات، واضطرار أخرى للعمل ببدائل محدودة أو أقل جودة، وسط تحذيرات من توقف شبه كامل للخدمات خلال مدة وجيزة.
وانعكس هذا النقص مباشرة على أسعار الخدمات العلاجية، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا بفعل اختلال التوازن بين ندرة المواد وزيادة الطلب عليها، الأمر الذي ضاعف الأعباء الاقتصادية على المرضى وقلّص فرص حصولهم على العلاج المناسب.
وتشمل قائمة المواد المفقودة أو النادرة: الحشوات الأساسية، والعجائن التجميلية، ومواد التخدير، إلى جانب لوازم أخرى لا غنى عنها في تقديم خدمات طبّ الأسنان.
طالع المزيد: نقيب أطباء الأسنان يحذّر: عيادات غزة على حافة الإغلاق مع تفاقم أزمة المستلزمات
ويؤكد صبري الجد، المسؤول الفني في إحدى العيادات، أن القطاع يشهد حالة “شلل شبه كامل” نتيجة النقص الحاد في مواد أساسية، مشددًا على الحاجة العاجلة لرفع القيود المفروضة على إدخال الحشوات العصبية وسوائلها الخاصة، باعتبارها من الركائز الضرورية لاستمرار العمل.
وأوضح لصحيفة “فلسطين” أن العيادات تعتمد حاليًا على مخزون محدود آخذ في النفاد، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار، مضيفًا أنهم يضطرون أحيانًا لشراء المواد من عيادات توقفت عن العمل أو من موردين يمتلكون كميات مخزنة، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة العلاج ويدفع كثيرًا من المرضى إلى تأجيله إلا في الحالات الطارئة.
وأشار إلى أن من أبرز المواد التي شهدت قفزة حادة في أسعارها، العجينة المستخدمة في تصنيع الأسنان البديلة، إذ ارتفع سعر الكيلوغرام منها إلى نحو 4000 شيقل، بعد أن كان لا يتجاوز 150 شيقلاً، أي بزيادة تفوق 25 ضعفًا، ما جعل هذا النوع من العلاج مكلفًا للغاية، خاصة لمن يحتاجون إلى تعويض أكثر من سن.
من جهتها، تؤكد طبيبة الأسنان د. فاطمة أبو كميل أن الحشوات المؤقتة، التي تُستخدم في المرحلة الأولى من العلاج، أصبحت مفقودة بالكامل، رغم أهميتها في حماية الضرس ومنع تلوثه، محذرة من أن غيابها يهدد بفشل العلاج منذ بدايته.
وأضافت أن نقص البراغي والتدعيمات اللازمة لتقوية الأسنان المتهالكة يدفع المرضى نحو خيارات أكثر تعقيدًا وكلفة، فيما وصلت أزمة التخدير الموضعي إلى مرحلة حرجة، إذ لم يعد متوفرًا منذ بداية الحرب، ما يضع الطبيب والمريض أمام معاناة الألم ويقوّض القدرة على إجراء أبسط التدخلات.
وأوضحت أن البدائل المتاحة تُصرف عبر وزارة الصحة على شكل أمبولات غير مخصصة لطب الأسنان، يتم استخدامها بطرق غير ملائمة طبيًا، ما يؤثر على جودة وسلامة الخدمات المقدمة.
وفي جانب التكاليف، سجلت أسعار العلاج ارتفاعًا لافتًا، إذ ارتفعت تكلفة علاج الضرس من 80–120 شيقلاً قبل الحرب إلى ما بين 100 و250 شيقلاً حاليًا، في ظل أوضاع معيشية متدهورة.
ويحذر أطباء وعاملون في القطاع من انهيار وشيك لخدمات طبّ الأسنان، مطالبين المؤسسات الدولية والمنظمات الإنسانية ووزارة الصحة ونقابات أطباء الأسنان بالتدخل العاجل لتوفير المستلزمات الضرورية.
كما يشيرون إلى ارتفاع تكاليف تشغيل العيادات، نتيجة غلاء المواد، وارتفاع الإيجارات، وعدم استقرار الكهرباء والاعتماد على مولدات مكلفة.
في المقابل، يؤكد مواطنون أن ارتفاع أسعار العلاج يدفع كثيرين إلى الاكتفاء بالمسكنات أو اللجوء إلى خلع الأسنان كحل أخير وأقل كلفة على المدى القصير، رغم تداعياته السلبية التي قد تؤدي لاحقًا إلى تدهور الحالة الصحية والحاجة إلى علاجات أكثر تعقيدًا وكلفة.
وبين الحاجة والقدرة، يبقى الألم حاضرًا في أفواه المرضى، بانتظار انفراجة تعيد للقطاع قدرته على العلاج، وتخفف من معاناة تتفاقم يومًا بعد يوم.

