مع كل إعلان جديد عن إغلاق معبر رفح، تتجدد مخاوف آلاف المرضى في قطاع غزة، الذين يعيشون على حافة انتظارٍ قاتل. فالمعبر، الذي يُعد شريان الحياة الوحيد نحو العلاج في الخارج، تحوّل إلى بوابة متقطعة تُفتح على استحياء وتُغلق بلا إنذار، تاركة خلفها قوائم طويلة من المرضى تتآكل فرصهم مع مرور الوقت.
في ممرات المستشفيات الضيقة، وعلى أسرّة علاجٍ منهكة، ينتظر المرضى دورهم في السفر، في حين تتدهور حالتهم الصحية يومًا بعد يوم، وسط نقصٍ حاد في الإمكانيات الطبية داخل القطاع.
وبين بطء الإجراءات وتعقيدها، وتكرار الإغلاقات، تتحول رحلة العلاج إلى سباق مع الموت، يخوضه المرضى بأجسادٍ واهنة وآمالٍ معلّقة على معبرٍ لا يضمن لهم العبور.
وكانت سلطات الاحتلال قد أعادت فتح الجانب الفلسطيني من المعبر في 2 فبراير الماضي، بعد سيطرتها عليه منذ مايو/أيار 2024، إلا أن تشغيله ظل محدودًا وبإجراءات معقدة، خاصة أمام المرضى والجرحى. ووفقًا لتصريحات سابقة، تمكّن نحو 700 مريض فقط من مغادرة غزة منذ إعادة فتحه، فيما لا يزال أكثر من 18 ألفًا على قوائم انتظار الإجلاء الطبي.
علاج عاجل
في خيمة صغيرة غرب مدينة غزة، تجلس سها البغدادي، تحدّق في الفراغ بعينين أثقلهما الألم، واضعةً يدها على بطنها كأنها تحاول تهدئة وجعٍ لا يهدأ. قبل عام، لم تكن تتخيل أن تتحول حياتها إلى رحلة قاسية مع سرطان الرحم، في ظل حرب حرمتها من أبسط حقوقها في العلاج.
تقول البغدادي لصحيفة "فلسطين": "الألم لا يفارقني، أشعر كأن جسدي ينهار ببطء، وأنا عاجزة عن فعل أي شيء سوى الانتظار".
وتضيف محاولة كتم دموعها: "الأطباء أكدوا أن حالتي تحتاج إلى علاج عاجل خارج غزة، لكن المعبر مغلق، وكأن حكم الموت صدر بحقي فقط لأنني هنا".
بدأت معاناتها بنزيف حاد وآلام مستمرة، قبل أن تكتشف إصابتها بسرطان متقدم في الرحم. وخضعت لعلاجات محدودة داخل القطاع، لكنها لم تكن كافية. تقول: "كل ما تلقيته مجرد مسكنات ومحاولات مؤقتة، أما العلاج الحقيقي فغير متوفر هنا".
زوجها، الجالس إلى جانبها، يشاركها القلق ذاته: "طرقنا كل الأبواب، وسجلنا اسمها في قوائم السفر، لكن لا شيء يتحرك. كل يوم يمر يعني أن المرض ينتشر أكثر". ثم يضيف بصوت خافت: "أخشى أن أفقدها فقط لأن المعبر مغلق".
ورغم الألم، تحاول البغدادي التمسك بالأمل، لكنها تعترف بأن الانتظار ينهكها نفسيًا قبل جسديًا: "لا أريد أن أموت هنا دون أن أحصل على فرصة للعلاج… أريد فقط أن أعيش".
ظلام كامل
في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، يجلس عبد القادر محيسن في زاوية هادئة، محاطًا بعتمة لم يعد قادرًا على اختراقها. منذ أشهر، فقد بصره تدريجيًا حتى غرق في ظلامٍ كامل، بانتظار فرصة للسفر وإجراء عملية زراعة قرنية تعيد إليه نور عينيه.
يقول محيسن: "كنت أرى الدنيا بكل تفاصيلها… اليوم لا أرى شيئًا، فقط ظلام". ويتابع: "الأطباء قالوا إن زراعة قرنية قد تعيد لي بصري، لكن ذلك يتطلب السفر خارج غزة… والمعبر مغلق".
بدأت معاناته مع مرض في القرنية تفاقم سريعًا، في ظل نقص الرعاية الطبية المتخصصة. ومع غياب الإمكانيات لإجراء العملية داخل القطاع، أصبح السفر الخيار الوحيد. "سجلت اسمي منذ أشهر، وكل يوم أسأل: هل جاء دوري؟ لكن لا إجابة"، يقول.
زوجته، التي أصبحت عينيه، تصف معاناته: "لم يعد قادرًا على التحرك وحده، حتى أبسط الأمور يحتاج فيها إلى مساعدة. أكثر ما يؤلمه ليس فقدان بصره، بل شعوره بالعجز".
ويضيف محيسن: "أشعر أنني محبوس داخل هذا الظلام… لو سافرت فقط، ربما أستعيد حياتي. لا أطلب المستحيل، فقط فرصة للعلاج".
إغلاق معبر رفح بالنسبة له ليس خبرًا عابرًا، بل تأجيلٌ مفتوح لاستعادة بصره. وبين الانتظار والخوف، يعيش أيامه على أمل أن يُفتح المعبر قبل أن تضيع الفرصة.
تصعيد خطير
من جانبه، قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، د. إسماعيل الثوابتة، إن إغلاق معبر رفح يمثل تصعيدًا خطيرًا يفاقم الكارثة الإنسانية، خاصة في ظل الأوضاع الصحية المتدهورة التي يعيشها آلاف المرضى والجرحى.
وأضاف أن "استمرار إغلاق المعبر وعرقلة سفر المرضى للعلاج في الخارج يعد انتهاكًا صارخًا للحقوق الإنسانية، ويضع حياة آلاف المرضى في دائرة الخطر الحقيقي"، مشيرًا إلى أن المنظومة الصحية في غزة تعاني من انهيار شبه كامل، ما يجعل السفر للعلاج ضرورة ملحّة لا تحتمل التأجيل.
وأكد أن هذا الإجراء يمثل خرقًا واضحًا لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي ينص على تسهيل الحركة الإنسانية، وعلى رأسها إجلاء المرضى والجرحى، مضيفًا: "ما يجري اليوم هو تقويض لهذه التفاهمات وتجاهل متعمد لمعاناة المدنيين".
وأوضح الثوابتة أن آلاف المرضى، بينهم حالات حرجة كمرضى السرطان وزراعة الأعضاء، ينتظرون دورهم للسفر، لكن الإغلاق المتكرر يحرمهم من فرص النجاة، قائلًا: "كل يوم تأخير يعني تدهورًا إضافيًا في حالتهم الصحية، وقد يعني فقدان حياتهم".
ودعا المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية إلى التدخل العاجل للضغط من أجل إعادة فتح المعبر بشكل دائم، وضمان تدفق الحالات الإنسانية دون قيود، مؤكدًا أن "حق المرضى في العلاج لا يجب أن يبقى رهينة لأي اعتبارات سياسية".

