في خيمةٍ مهترئة على أطراف حي تل الهوا جنوب غربي مدينة غزة، يبدأ الشاب عاهد خليفة (20 عامًا) يومه قبل شروق الشمس، على وقع رياحٍ تعبث بجوانب الخيمة، وأنين والده الذي لم يعد قادرًا على المشي كما كان. يفتح عينيه على واقعٍ قاسٍ لم يختره، لكنه وجد نفسه مسؤولًا عنه بالكامل منذ تلك الليلة التي غيّرت كل شيء.
لم يكن عاهد يتخيل أن رحلة النزوح التي قادته وعائلته إلى مدرسة الفلاح في حي الزيتون ستنتهي بكارثة. هناك، حيث احتمت آلاف العائلات طلبًا للأمان، بدا المكان في البداية ملاذًا من القصف، قبل أن ينهار هذا الوهم في لحظة.
تعرضت المدرسة لقصفٍ عنيف لم يفرّق بين طفلٍ وامرأة وشيخ. لم يرَ عاهد الانفجار بوضوح، لكنه شعر بالأرض تهتز تحت قدميه، ومع ثوانٍ من الصمت الثقيل، تعالت الصرخات، لتبدأ فصول معاناة جديدة.
أصيب والده إصابةً بالغة في قدميه أفقدته القدرة على الحركة الطبيعية، وأصبح يعتمد يوميًا على من يعينه. أما والدته، فقد تعرضت لإصابة خطيرة إثر شظايا مزّقت بطنها، وخضعت لعمليات جراحية معقدة، فيما أُصيب شقيقه الأصغر (15 عامًا) في كتفه، ما قيّد حركته.
وسط هذا المشهد، وجد عاهد نفسه فجأة عمود الأسرة، والمسؤول الأول عن إعالتها. لم يعد شابًا يعيش تفاصيل حياته، بل تحوّل إلى معيلٍ يواجه واقعًا أثقل من عمره.
بعد شهور من العلاج المحدود داخل القطاع، سافرت والدته وشقيقه لتلقي العلاج في الخارج. كان القرار قاسيًا، لكنه الخيار الوحيد. منذ عامٍ ونصف، لم يرَ والدته، ولا يسمع صوتها إلا عبر مكالمات متقطعة، تنتهي دائمًا بإحساسٍ بالفقد يتجدد.
عاد عاهد مع والده وإخوته من النزوح في دير البلح ليستقروا في تل الهوا، حيث لا منزل بانتظارهم، بل خيمة بالكاد تقيهم حر الصيف وبرد الشتاء. أصبحت الخيمة عنوان حياتهم الجديدة، بكل ما تحمله من قسوة.
يبدأ يومه بمحاولة تأمين الطعام. لا عمل ثابت لديه، ولا مصدر دخل منتظم، ويعتمد بشكل أساسي على “التكيات” التي تقدم وجبات محدودة. يقف لساعات في طوابير طويلة، أملاً في وجبة قد لا تكفي الجميع.
يردد في نفسه: “المهم ألا ينام أحد جائعًا”، جملة تحوّلت إلى مبدأ يومي، رغم قسوة الواقع.
داخل الخيمة، يحاول أن يبدو قويًا أمام والده، الذي يثقل كاهله شعور العجز. ينظر الأب إلى ابنه بعينين مثقلتين بالأسى، وكأنه يعتذر بصمت عن حملٍ لم يكن يجب أن يتحمله. لكن عاهد يخفي تعبه، يبتسم، ويؤكد أن الأمور ستتحسن، رغم غياب أي مؤشرات.
أما إخوته الثلاثة، فيرون فيه الملجأ والأمان. يحاول أن يعوضهم عن غياب الأم، وعن المدرسة التي حُرموا منها، وعن حياةٍ توقفت فجأة. يجلس معهم مساءً، يروي قصصًا، ويستعيد ذكريات المنزل في حي الزيتون، كأن الذكريات أصبحت وسيلتهم الوحيدة للصمود.
ورغم هذا التماسك الظاهري، يعيش عاهد صراعًا داخليًا مريرًا؛ قلقٌ دائم، وخوفٌ من الغد، وتساؤلات لا تنتهي: كيف سيؤمّن الطعام؟ ماذا لو تدهورت صحة والده؟ إلى متى يمكن أن يستمر هكذا؟
ومع كل ذلك، يتمسك بحلمٍ بسيط: أن يجد عملًا ثابتًا يوفر لعائلته حياة كريمة، وأن يجتمع مجددًا بوالدته وشقيقه. حلمٌ يبدو بسيطًا، لكنه بالنسبة له أكبر من كل شيء.
ينظر إلى السماء كل يوم، متمنيًا فرصة… لا معجزة، فقط فرصة للعمل، وللعيش، وللّقاء.
ثلاث سنوات من الحرب غيّرت ملامح الحياة بالكامل. لم تعد الأيام تُقاس بالوقت، بل بعدد الوجبات التي يمكن تأمينها، أو بعدد الليالي التي تمر دون خسارة جديدة. ومع ذلك، يواصل عاهد السير، خطوةً بعد أخرى، رغم ثقل الطريق.
في خيمته الصغيرة، حيث تختلط الأحلام بالقلق، يواصل يومه كما بدأه: بمحاولة الصمود… لأن الاستسلام، بالنسبة له، ليس خيارًا.