في أثناء تغطيته الصحفية لأحداث مجزرة المغازي، كان الصحفي جهاد أبو شمالة يتنقّل بين مشاهد الموت الثقيلة، يوثّق وصول الشهداء والمصابين من شرق المخيم يوم 6 إبريل/نيسان 2026. بين خيمته الصحفية داخل المستشفى وعدسته التي لا تهدأ، كان يومًا مثقلًا بالفوضى، تحوّل فيه المشفى إلى ساحة طوارئ مفتوحة، تتزاحم فيها الأصوات والوجوه والقصص.
لكن في لحظة خاطفة، انقلب المشهد كله. وبينما كان جالسًا داخل خيمته، اخترق صراخ شقيقه المكان؛ صوت مكسور مرتجف يحمل ما هو غير مألوف: "جهاد.. جهاد". وبصوت متقطّع ووجه شاحب، كان ينادي: "الحق.. أمي شهيدة.. أجتها رصاصة برأسها".
قبل دقائق فقط، كان جهاد يروي قصص الآخرين، ينقل وجعهم، ويوثّق الفقد داخل ثلاجات الشهداء وعلى عتبات غرف العمليات وأقسام الطوارئ. فجأة، أصبح هو القصة؛ صار الخبر الذي كان يكتبه. ترك كل شيء، وجلس يبكي على جثمان أمه، يرثي رحيلها. هنا توقفت عدسته، وجفّ حبر قلمه، وهو يتجرّع مرارة الفراق التي لم يتوقعها.
لحظة وقوع الحدث، كانت الحاجة نازك عبد العزيز أبو شمالة (60 عامًا) تجلس في خيمتها، بعيدًا عن مناطق التوغل شرق المغازي، إلى جانب نجلها الذي جاء لزيارتها. انتبه لصوت إطلاق النار، وحاول تنبيهها وطلب منها الاحتماء، لكنها، بهدوء يشبه طمأنينة الأمهات، قالت: "يما هدول صوت عصافير". وقبل أن يتمكن من إقناعها بخطورة الصوت، استقرت رصاصة في رأسها، فرحلت على الفور.
قبل أيام قليلة من استشهادها، نشر جهاد صورة "سلفي" تجمعه بوالدته بين حقول السنابل. كانت تبتسم، تلامس الطبيعة بشغف، وتقول بفرح واضح: "ما أجملها.. ما أجمل الطبيعة". في مشهد تظلله غيوم كثيفة، يستحضر قوله: "أنا حبة القمح التي ماتت لكي تخضرّ ثانية".
جولة بين الحقول
يقول جهاد أبو شمالة لـ "فلسطين أون لاين": "كنت معتادًا أن أصطحب أمي في كثير من المشاوير، أستند إلى خبرتها، وكانت تحب مرافقتي، خاصة في اللحظات الجميلة. كانت تعشق الخضار والزراعة والأشجار".
ويضيف: "عندما سرنا بين حقول السنابل الخضراء، بدت لي كلوحة جميلة، فالتقطنا صورة ومقطع فيديو. كان ذلك آخر فيديو لها. وعندما نشرت الصورة، لاقت تفاعلًا كبيرًا من الأصدقاء".
خلال الحرب، كانت والدته سبّاقة لفعل الخير. يقول جهاد بصوت يملؤه الفخر: "كانت تساعد الناس في كل مكان تنزح إليه، وتستقبل نازحين بلا مأوى حتى يجدوا مكانًا. وعندما تطهو الطعام، كانت تزيد الكمية لتوزّع على الجيران، ولم تتردد يومًا في مساعدة الآخرين".
كان استشهاد شقيقه "براء" الحدث الأقسى عليها، جرحًا لم يلتئم. ويقول جهاد بحزن ممزوج بالإيمان: "كانت صابرة رغم الفقد، لكنها شعرت بفراغ كبير بعده، وكانت تتمنى الشهادة وأن تُدفن إلى جانبه. وقد تحققت أمنيتها، فدُفنت بجواره".
تحققت الأمنية
في صفحتها على "فيسبوك"، طغى الحزن على منشوراتها بعد استشهاد نجلها "براء". ومن أكثر ما كتبت تأثيرًا، في 28 يناير/كانون الثاني 2026:
"عيدك الـ19 يا حبيبي إن شاء الله بالجنة. والله فراقك كسرني. يما سامحني، دموعي بتنزل كتير، عارفة إنها بتزعلك، لكن فداك يما لو بصري راح من كتر البكاء… بس أوعدك يما، لحد ما يدفنوني جنبك، أدعيلك الله يرضى عليك ويجعلك بأعلى مرتبة بالجنة".
كانت تتمنى أن تتوقف الحرب، وأن يعود السلام، وأن ترجع إلى منزلها في مدينة "الشيخ زايد" شمال غزة، لكنها رحلت نازحة، بعيدة عن بيتها المدمّر.
على مدار عمله الصحفي، كانت والدته الداعم الأول له. يقول جهاد بإصرار: "سأبقى أوثّق معاناة الناس… هذه وصية أمي. كانت حتى تخيط درعي الصحفي إذا تمزّق. كنت أشاركها كل خططي، وكنت أتمنى أن أشتري مركبة لأصطحبها معي".
ويستعيد صوتها من ذاكرته: "كانت تفرح بعملي، وتشجعني، وتشارك تقاريري على صفحتها. كانت تشعر بالفخر لأنني أواصل توثيق معاناة النازحين، وألتزم بمهنتي رغم كل الظروف"