فلسطين أون لاين

خاص شَظايا في فراش طفلةٍ ورصاصةٌ أصابت يدَ مريض... حكايتان من خيام الشجاعية

...
شظيتان قد اخترقتا سقف الخيمة وأصابتا طفلتهما ريتال (10 أعوام) في قدمها،
غزة/ أدهم الشريف:

في المساحات المفتوحة القريبة مما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، حيث يُهيمن الدمار المروّع على المشهد، وتتلبّد السماء بالطائرات والمُسيَّرات الحربية، لم تعد الخيام ملاذًا آمنًا، وقد تحوّلت إلى محطة انتظار بين خطر دائم ونجاة مثقلة بالنيران.

بالقرب من حي الشجاعية، حيث أُجبرت آلاف العائلات على النزوح إلى خيام بالية، بعد أن دمّرت حرب الإبادة منازلها في الحي الواقع شرقي مدينة غزة، تتقاطع تفاصيل الحياة اليومية مع أزيز الرصاص وشظايا القذائف التي تطلقها آليات جيش الاحتلال باستمرار.

كآبة المشهد هناك، وأطلال الدمار الممتدة حتى الأفق البعيد، تُبقي الحرب حيّة رغم اتفاق وقف إطلاق النار المثقل بالخروقات الإسرائيلية منذ بدء سريانه في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.

داخل خيمة مصنوعة من النايلون، ثُبّتت في ساحة مفتوحة عند الحافة الغربية للحي المدمّر، كان خمسة أطفال أشقاء من عائلة مرشود يغطّون في نوم متقطّع، بينما يحاول والداهما إخفاء قلقهما من أصوات القصف القريب.

شظايا لاحقت طفلة

لم يكن فجر الثلاثاء، 21 أبريل/نيسان الجاري، مختلفًا عن سابقه بالنسبة لهذه العائلة؛ إذ دوّت انفجارات ليلية بدّدت سكون المكان كالمعتاد، لكن هذه المرة سُمع صوت انفجار قريب أعقبه صراخ حاد داخل الخيمة.

هرع الوالدان ليجدا أن شظيتين فولاذيتين قد اخترقتا سقف الخيمة وأصابتا طفلتهما ريتال (10 أعوام) في قدمها، ما جعلها تصرخ بشدة من الألم.

"كنت أحاول النوم، لكن فجأة انقلبت الخيمة رأسًا على عقب.. سمعت انفجارًا تبعه أزيز قريب وصراخ حاد"، قال فادي مرشود (40 عامًا)، والد الطفلة ريتال، وهو يشرح لصحيفة "فلسطين" تفاصيل الحادثة.

كان الانفجار ناتجًا عن إطلاق آليات الاحتلال قذيفة مدفعية على حي الشجاعية، وتناثرت شظاياها لمسافات بعيدة لتجد طريقها عبر سقف الخيمة، وتستقر في فراش الطفلة بعد أن أصابتها، ما استدعى نقلها سريعًا إلى المستشفى للعلاج.

تقول والدتها، سعدية مرشود (36 عامًا)، وهي تجلس قرب طفلتها: "كنا نظن أننا ابتعدنا عن الخطر عندما نزحنا إلى أطراف الشجاعية، لكن رصاص الاحتلال وشظايا قذائفه يلاحقوننا أينما ذهبنا".

وأضافت بصوت متقطع لصحيفة "فلسطين": "ريتال وأشقاؤها لم يفعلوا شيئًا.. فقط كانوا نائمين".

وبينما نجت طفلتهما هذه المرة، يشير والداها إلى أنها ليست المرة الأولى التي تخترق فيها شظايا القصف المدفعي سقف الخيمة، وهما يدركان أنها لن تكون الأخيرة مع استمرار انتهاكات جيش الاحتلال.

64f87996-95d0-453c-91dc-2baf68c9a3e2.jpg


في المناطق القريبة من "الخط الأصفر"، الذي يُسيطر عبره جيش الاحتلال على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة، لم يعد وقف إطلاق النار يعني الكثير لسكان الخيام. فبينما تُحلّق الطائرات والمُسيّرات الحربية على ارتفاعات منخفضة، وسط إطلاق رصاص لا يهدأ، تتساقط قذائف المدفعية وتدوي أصوات انفجارات عنيفة ناتجة عن عمليات نسف وتدمير، مسببة ذعرًا دائمًا.

ويتساءل والدا الأطفال الخمسة عن جدوى اتفاق وقف إطلاق النار، الذي أوقف الإبادة الشاملة جزئيًا بعد عامين من القتل والتدمير، لكنه لم يُنهِ الحرب بشكل كامل.

ويعترفان أيضًا بأن الخيمة التي لجآ إليها مع أطفالهما منذ أن دمّر جيش الاحتلال منزلهم المكوّن من خمسة طوابق في حي الشجاعية، لن تحميهم من الرصاص والشظايا، لكنهما لم يجدا متسعًا آخر في شوارع المدينة وساحاتها ومدارسها التي تحوّلت إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين.

المعاناة لا تقتصر على إطلاق الرصاص وأصوات الانفجارات، إذ لم تتمكن هذه العائلة من العودة إلى منطقة سكنها في الحي المدمّر بفعل وجود جيش الاحتلال، وإنشائه مواقع عسكرية على هيئة تلال ضخمة مجهّزة بوسائل المراقبة والأضواء الليلية، وترصد بها كل حركة في المنطقة.

رصاصة... وعبء جديد

على بُعد أمتار في المخيم نفسه، تعيش عائلة أخرى واقعًا آخر من المعاناة، لا يقل قسوة عن عائلة مرشود.

وائل أبو صافي، رجل يبلغ (48 عامًا)، يقيم مع ثمانية أفراد آخرين تحت سقف خيمة مصنوعة من القماش. عندما التقته "فلسطين"، كان ممدّدًا على فراش أرضي قديم، يحدّق في ذراعه اليمنى المغلّفة بالجبس والشاش الأبيض.

قبل أيام قليلة، أُصيب برصاصة في كف يده، أطلقتها رافعة عسكرية مزوّدة بسلاح رشاش يعمل بشكل آلي، تتمركز قرب مواقع جيش الاحتلال شرقًا.

يستعيد الرجل تفاصيل اللحظة: "لم أكن أتحرك كثيرًا بسبب وضعي الصحي.. كنت جالسًا داخل الخيمة حين اخترقت الرصاصة يدي وشعرت بألم شديد".

d15da067-74de-491d-a5a0-a0aa62a186e6.jpg


لم تكن الإصابة حادثًا عابرًا في حياة رجل يعاني أصلًا من وضع صحي معقّد؛ إذ أُصيب بجلطة دماغية قبل اندلاع الحرب على غزة في 7 أكتوبر 2023، تسببت بشلل نصفي في الجزء الأيسر من جسده، ما حدّ من قدرته على الحركة والعمل.

اليوم، تبدو إصابته الجديدة كعبء إضافي على جسد أنهكته الأمراض، وعلى عائلة تكافح من أجل البقاء في مكان يبدو فيه كل شيء مهددًا بالرصاص والقصف.

أما زوجته صباح أبو صافي، قالت لـ"فلسطين": "كنا نحاول التكيّف مع وضعه بعد الجلطة، والآن لا يستطيع استخدام يده السليمة".

وتضيف: "نحن لا نعيش هدنة ولا وقف إطلاق نار، وفي أي لحظة يمكن أن يُطلق الرصاص ويبدأ القصف.. فعليًا الحرب لم تنتهِ هنا".

في مراكز الإيواء، حيث تتناثر الخيام الهشّة، تتشابه تفاصيل الألم والمعاناة، لكنها تبدو أشد قسوة لدى النازحين في المناطق الشرقية بغزة، بعدما حوّلتها انتهاكات الاحتلال وخروقاته المستمرة لاتفاق وقف إطلاق النار إلى ساحة مفتوحة للحرب.

تبدو صباح (41 عامًا)، التي تحتفظ في حقيبتها بالرصاصة التي أصابت زوجها بعد أن استأصلها الأطباء إثر تدخل جراحي عاجل، مدركة تمامًا لمطامع الاحتلال من انتهاكاته بحق النازحين قرب حي الشجاعية، ومساعيه المستمرة لإجبارهم على المغادرة.

f0f80342-5fb0-4a18-81a2-d0501fede00a.jpg


لكنها، في المقابل، تبدي تمسكًا بالبقاء. "مش طالعين من هان لو شو ما صار، سنبقى في الخيام حتى ينسحب الاحتلال من حيّنا.. عندها سنرجع ونعيد إعمار منازلنا"، قالت بنبرة حملت الكثير من التحدي والإصرار.

وفي وقت تبدو فيه فرص النجاة ضئيلة أمام النازحين في المناطق الشرقية، تتصاعد وتيرة انتهاكات جيش الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار بشكل محموم، لتبلغ نحو 2400 خرق، تسببت باستشهاد أكثر من 750 مواطنًا، غالبيتهم من الأطفال والنساء، وفق معطيات رسمية.

المصدر / فلسطين أون لاين