لم تكن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" بمنأى عن تداعيات الحرب على قطاع غزة، بل وجدت نفسها في قلب استهداف مركّب شمل الحصار العسكري، والضغوط السياسية، وحملات التحريض، ما أدى إلى شلل واسع في قدرتها على تقديم خدماتها، في وقت يواجه فيه القطاع واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
ومنذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تصاعدت الحملة الإسرائيلية ضد الوكالة، التي تُعد الشاهد الدولي الأبرز على قضية اللاجئين الفلسطينيين، لتبلغ ذروتها في أكتوبر/تشرين الأول 2024، مع تصديق الكنيست الإسرائيلي على قوانين تقيد نشاط "أونروا" في القدس المحتلة.
وفي مارس/آذار 2025، فرضت سلطات الاحتلال حصاراً مشدداً على إدخال المساعدات الإنسانية إلى غزة، بما فيها إمدادات "أونروا"، التي لا تزال ممنوعة حتى اليوم، ما أدى إلى تفاقم غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية والصحية والغذائية.
ومع اتساع رقعة الجوع وانتشار الأمراض، أعلنت الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول الماضي تفشي المجاعة في شمال القطاع، حيث توفي أكثر من 300 شخص نتيجة الجوع وسوء التغذية، في مؤشر خطير على عمق الأزمة.
اقرأ أيضًا: الأونروا: ضغوط سياسية واقتصادية تقلص خدمات اللاجئين بنسبة 20%
وفي تصعيد إضافي، أقدمت سلطات الاحتلال مطلع يناير/كانون الثاني 2026 على هدم مكاتب ومنشآت تابعة للوكالة في حي الشيخ جراح بالقدس، ورفع العلم الإسرائيلي فوق مقرها، في خطوة وصفتها الأمم المتحدة بأنها “هجوم غير مسبوق”.
وحذّر المفوض العام لـ"أونروا" فيليب لازاريني مراراً من تداعيات استهداف الوكالة سياسياً ومالياً، بما في ذلك تعليق تمويل بعض المانحين، مؤكداً أن ذلك يهدد قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين، ويمسّ بحقوقهم، وعلى رأسها حق العودة.
المفوض العام لـ"الأونروا"، فيليب لازاريني
في مخيمات النزوح، تتجسد آثار هذا الحصار بوضوح. تقول الحاجة نجاح فرحات (59 عاماً)، النازحة من رفح إلى مخيم النصيرات، إن غياب خدمات "أونروا" فاقم معاناة عائلتها: "قبل الحصار كانت الوكالة تمدنا بالغذاء والدواء، أما اليوم فحياتنا أصبحت بائسة".
وتشير إلى أن المجاعة التي ضربت القطاع العام الماضي جاءت بعد منع إدخال مساعدات الوكالة، التي كانت تشكل شريان حياة أساسياً لآلاف العائلات.
وخلال العام الماضي، أطلق المستشار الإعلامي لـ"أونروا" عدنان أبو حسنة نداءات متكررة للسماح بإدخال مئات الشاحنات المحملة بالمساعدات، لا تزال عالقة خارج القطاع.
المستشار الإعلامي لـ"الأونروا"، عدنان أبو حسنة
وعلى صعيد التعليم، تتحدث ياسمين حماد (40 عاماً) عن حرمان أطفالها من التعليم منذ بداية الحرب، بعد توقف مدارس "أونروا". وتقول: "لو كانت المدارس مفتوحة، لوجد أبناؤنا دعماً نفسياً وتعليمياً".
اقرأ أيضًا: غوتيريش: قرارات الكنيست تهدف لعرقلة عمليات الأونروا
وبحسب تقارير الوكالة، تضررت أكثر من 450 منشأة تعليمية بين تدمير كلي وجزئي، فيما وصف تقرير لجامعة كامبريدج الوضع بـ"الإبادة التعليمية"، نتيجة استهداف البنية التعليمية وفقدان مئات المعلمين وآلاف الطلبة.
في القطاع الصحي، يواجه المرضى واقعاً لا يقل قسوة. يقول المسن مجدي أحمد (62 عاماً) إنه لا يجد أدوية الأمراض المزمنة في عيادات "أونروا" منذ أشهر، مضيفاً: "نراجع العيادات باستمرار، لكن الأدوية غير متوفرة".
كما تشتكي سناء البطة (28 عاماً) من غياب مستلزمات الأطفال الرضع، مؤكدة أن الإجابة الدائمة التي تتلقاها من المراكز الصحية هي: "لا يوجد، بسبب منع إدخال الإمدادات".
وفي موازاة ذلك، تواجه الوكالة أزمة مالية حادة، إذ تشير تقديراتها إلى عجز يقارب 220 مليون دولار، نتيجة تقليص التمويل والضغوط السياسية، ما دفعها لاتخاذ إجراءات طارئة شملت تقليص الخدمات، وخفض رواتب الموظفين، وإنهاء خدمات المئات.
وتحذر "أونروا" من أن استمرار هذا الوضع يهدد استدامة عملها، ويضع ملايين اللاجئين الفلسطينيين أمام مخاطر متزايدة، في ظل تراجع الخدمات الأساسية وتفاقم الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.
وبين الحصار والاستهداف، تبقى "أونروا" في غزة شاهداً على أزمة إنسانية تتعمق يوماً بعد يوم، بينما ينتظر اللاجئون عودة دورها الإغاثي كخط دفاع أخير في وجه الانهيار الكامل.