فلسطين أون لاين

نيران الحرب ورذاذ المفاوضات: بين حماقة الاستكبار وغباء الصغار

على وقع تصاعد نيران الحرب وتطاير رذاذ المفاوضات الكاذبة، يعيد التاريخ نفسه في منطقة الخليج، حيث تتكرس معادلة ثابتة: استكبار أميركي لا يعرف إلا لغة القوة و نقض العهود والمواثيق ، و حكام تابعين للاستكبار يدفعون الثمن الطاعة في غباء شديد ، فالمشهد اليوم ليس سوى حلقة جديدة من مسلسل طويل بدأ قبل عقود، تتقن فيه واشنطن فنون الخداع، بينما تنساق وراءها أنظمة عربية لا تتعلم من دروس الماضي شيأ و لا من تجارب الآخرين عبرة .

مفاوضات باكستان : استراحة محارب لا سلام حقيقي

لا يمكن فهم تعثر المفاوضات بين إيران وأميركا بمعزل عن تاريخ طويل من الانتهاكات والوعود المنقوضة من قبل امريكا*، و المفاوضات الحالية في إسلام آباد ليس سوى استراحة محارب تحتاجها واشنطن لإعادة تموضع قواتها، وسد النقص الحاصل في ترسانتها، ثم العودة مجدداً لشن جولة جديدة من المنازلة.

فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، وأميركا تتبع أسلوباً واضحاً: تحمل في يد ورقة المفاوضات وتحمل في اليد الأخرى مدفعا للحرب ، تفاوض حيناً، و حيناً آخر تشن الحرب ، فقد شنت واشنطن حربين فعليتين على إيران، ليس بشكل مباشر، بل عبر أدواتها الإقليمية:

الحرب الأولى: الحرب التي شنتها أميركا عبر نظام صدام حسين في الثمانينيات، حيث قدموا له كل أنواع الدعم العسكري والاستخباراتي واللوجستي، بل وتجاوزوا ذلك إلى تزويده بأسلحة كيميائية استخدمها ضد المدنيين الإيرانيين والعراقيين. تلك الحرب استمرت ثماني سنوات، وسقط فيها مئات الآلاف من الضحايا، ولم تتوانَ أميركا عن دعم صدام حتى بعد مجازره الكيميائية.

الحرب الثانية: الحرب الناعمة التي تجسدت في الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي عام 2018، رغم التزام إيران الكامل ببنوده، وتصديق الوكالة الدولية للطاقة الذرية على ذلك ، ثم فرض أشد العقوبات الاقتصادية في التاريخ، واغتيال قادة إيران في ايران وسوريا والعراق في اعمال إرهابية في رابعة النهار .

هذا السجل الحافل بالغدر هو ما يجعل أي مفاوضات جادة مع أميركا مستحيلة. فكيف يمكن الثقة بطرف أثبت في كل مرة أنه يستخدم المفاوضات غطاءً لشن حرب أو لتحضيرها؟ إنها حماقة الاستكبار الأميركي التي تعتقد أنها تستطيع خداع العالم إلى ما لا نهاية.

و في سياق هذه الحماقة، يأتي القرار الأميركي بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية بعد ان كانت إيران قد بادرت بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، في خطوة أظهرت حسن نيتها ورغبتها في تهدئة الأوضاع، وأسهمت مؤقتاً في خفض أسعار النفط وإنعاش الأسواق العالمية ، لكن إدارة ترامب، بدلاً من أن تبادل هذه البادرة الإيجابية بمثلها، أعلنت حصارها البحري على المواني الإيرانية ، وأعلنت صراحة أنها لن ترفعه حتى الانتهاء الكامل من الاتفاقات ، هنا، لم تجد إيران أمامها إلا خياراً واحداً: إعادة إغلاق المضيق.

إن حق إيران في إغلاق مضيق هرمز هو حق مشروع ومكفول بموجب القانون الدولي، خاصة عندما تُستخدم الممرات المائية كأداة لخنق شعب بأكمله. مضيق هرمز ليس نافذة للعالم على نفط المنطقة فحسب، بل هو شريان حياة لإيران نفسها ، ومن حق أي دولة أن تدافع عن مصالحها الحيوية عندما تُحاصر وتُحرم من أبسط حقوقها.

ومابين الاستكبار الأمريكي والإصرار الإيراني لكسب المعركة يقع الخليج بين ذل الخضوع لأمريكا وبين رد الفعل الإيراني ، وهو الجانب الاخر من المعادلة.

 تلك الأنظمة الخليجية التي خضعت بشكل كامل للأوامر الأميركية، ووافقت على استخدام أراضيها ومطاراتها وأجوائها كقواعد عسكرية لشن حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، حرب سجرتها امريكا تحقيقا لرغبة إسرائيل بدولتها الكبرى وإنقاذاً لنتن ياهو من السقوط ، واستعلاءا في الارض وفسادا كبيرا ، حرب ابتليت بها دول الخليج خصوصا دون غيرها تمويلا وتدميرا وتعويضا ان وضعت أوزارها ، ومن الغريب والعجيب رضوخ هذه الدول لتحمل كل أعباء الحرب دفاعا عن امريكا واسرائيل و مخططاتهما ، لأوهام زرعها الاستعمار من قبل من خلال فقهاء الفتنة في البلاد العربية والإسلامية ، اوهام أن إيران أخطر من إسرائيل، رغم أن الحقائق التاريخية تشير إلى عكس ذلك تماماً: فإيران لم تقم بأي عمل عدائي ضد جيرانها العرب منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 و كانت دائماً يداً مفتوحة للجميع، بل كانت الصوت الأقوى في المنطقة للمطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني وتحرير القدس ، وايران ماتزال تقدم خيرة قادتها وعلمائها ثمنا لمواقفها من قضايازالامة في نصرة القضية الفلسطينية والوقوف بوجه الغطرسة الامريكية والصهيونية .

ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: لماذا هذه الأنظمة الخليجية تصر على الرهان على الحصان الأميركي الخاسر؟ هل نسوا ما حدث لأسلافهم الذين راهنوا على أميركا في حرب الخليج الأولى والثانية؟ هل نسوا كيف تستخدم أميركا حلفاءها ثم تتخلى عنهم عندما لا تعود هناك حاجة لهم؟

الواقع أن دول الخليج تجد نفسها اليوم في موقف لا تحسد عليه. فهي من جهة، تسمح باستخدام أراضيها كمنصات انطلاق لعدوان أميركي محتمل على إيران، ومن جهة أخرى، تعرض نفسها لتهديدات إيرانية مباشرة كرد فعل طبيعي على هذا العدوان.

هذه الأنظمة تظن أنها تشتري الحماية الأميركية، لكن الحقيقة أنها تشتري العداوة الإيرانية وتدفع ثمنها أغلى الأثمان. لقد جربت أميركا من قبل في أفغانستان والعراق: عندما لا تعود هناك حاجة للقواعد العسكرية في تلك الدول، تنسحب وتهرب تاركة الفوضى والدمار خلفها.

في الختام، يمكن القول إن المنطقة بأسرها تدفع ثمن حماقة الاستكبار الأميركي وغباء الصغار الخليجيين. فالحل ليس في المزيد من المفاوضات التي لا تهدف إلا إلى استراحة محارب، ولا في المزيد من الحروب بالوكالة التي لا تخدم إلا مصالح أميركا وإسرائيل.

ما تحتاجه المنطقة اليوم هو رؤية مستقلة وحكيمة، تدرك فيها الدول الخليجية أن أمنها الحقيقي لا يمكن أن يأتي من واشنطن أو تل أبيب، بل من تفاهمات إقليمية تحترم سيادة جميع الدول وتعمل على تحقيق المصالح المشتركة. فإيران جارة لا يمكن تغييرها، والعداء معها لن يجلب إلا الخراب.

أما الاستمرار في الرهان على الحصان الأميركي، فهو ليس سوى غباء يدفع ثمنه الشعوب، بينما تستمر حماقة الاستكبار في نسج خيوط مؤامراتها الجديدة.

المصدر / فلسطين أون لاين