فلسطين أون لاين

الإصلاح بين المنظومة والفرد.. حين تضيع نقطة البداية

ليست كل الأزمات التي تمر بها المجتمعات قابلة للحل بالوسائل ذاتها، فبعضها يكفيه الترميم، وبعضها لا ينجو إلا بإعادة بناء حقيقية تبدأ من الجذور. وأخطر ما يمكن أن تقع فيه أي أمة، أن تُخطئ تشخيص موضع الخلل، فتبدأ العلاج من حيث لا ينبغي، وتترك موضع الداء الحقيقي دون مساس.

إن الحديث عن إصلاح الفرد في ظل منظومة مختلة، هو حديث منقوص، بل قد يكون مضللًا في بعض الأحيان. فالفرد، مهما امتلك من وعي أو صلاح، يظل محكومًا بإطار عام يصوغ سلوكه، ويوجه خياراته، ويؤثر في قدرته على الفعل. والمنظومة، بما تحمله من قرارات وسياسات وخطاب، هي التي تصنع البيئة التي إما أن تحتضن هذا الفرد وتُعينه، أو تُرهقه وتكسره.

من هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من القاعدة كما يُشاع أحيانًا، بل من القمة، من حيث يُصاغ القرار وتُرسم الاتجاهات. فإذا استقامت المنظومة، انعكس أثر ذلك على الأفراد، وإذا اضطربت، فإنها تُنتج حالة عامة من العجز والتخبط، حتى لو وُجدت نماذج فردية صالحة.

وحين تتعقد الأزمات وتبلغ ذروتها، يصبح عامل الوقت عنصرًا حاسمًا لا يقبل التراخي. فالأزمات، كالغرق، لا تحدث دفعة واحدة، بل تبدأ تدريجيًا؛ تعب يتبعه وهن، ثم استنزاف، حتى يصل الأمر إلى لحظة اللاعودة. وفي هذه المراحل، لا يكفي البحث عن حل واحد، بل يجب فتح كل المسارات الممكنة للنجاة، والتعامل بجرأة وسرعة مع الواقع قبل أن يتحول إلى كارثة مكتملة.

غير أن الإشكال لا يقف عند حدود القرار، بل يتجاوزه إلى “اللغة” التي تُدار بها الأزمة. فهناك خطاب يُحرك الناس نحو الفعل، وخطاب آخر يُخدرهم ويُقنعهم بأن ما يحدث قدر لا يُدفع، أو أنه الحد الأقصى الممكن. وهذه اللغة، حين تسود، تتحول إلى أداة تعميق للأزمة، لا وسيلة للخروج منها.

وفي التاريخ نماذج واضحة تؤكد هذه الحقيقة؛ فصلاح الدين الأيوبي لم يكن نتاج لحظة عاطفية، بل ثمرة مراجعة عميقة وإصلاح متدرج بدأ بالإنسان قبل الأرض. أدرك أن بناء القوة لا يكون بالشعارات، بل بتأمين الناس، وإطعامهم، وإعادة تشكيل وعيهم، حتى يصبحوا قادرين على حمل مشروع التغيير. فالجائع لا يُحسن التفكير، والخائف لا يثبت في المواجهة، والمضطرب لا يبني مستقبلًا.

وإذا انتقلنا إلى مسألة القيادة، فإنها تمثل نقطة الفصل في مسار أي منظومة. فالمركب التي تقل الجميع لا تحتمل قائدًا يفتقر إلى القدرة أو يُصرّ على إدارة الأزمة بعقلية أحادية. لأن الخطأ في هذا الموضع لا يكون فرديًا، بل جماعيًا، ونتيجته لا تقتصر على شخص، بل تمتد إلى الجميع.

ومن هنا، فإن أعظم صور المسؤولية ليست في التمسك بالموقع، بل في القدرة على تقييم الذات بصدق. فإذا عجز القائد عن إدارة المرحلة، فإن تنحيه ليس هزيمة، بل إنقاذ. أما الإصرار على الاستمرار رغم الإخفاق، فهو انتقال من دائرة الخطأ إلى دائرة الخطر.

إن المنظومات التي تُدار بعقلية “لا أريكم إلا ما أرى” تغلق على نفسها أبواب التصحيح، وتفقد القدرة على الاستفادة من طاقات محيطها، بينما تلك التي تُشرك وتُراجع وتُصحح، تمتلك فرصة حقيقية للنجاة.

في المحصلة، الإصلاح ليس شعارًا يُرفع، بل مسار يبدأ من تصحيح المنظومة، ويمر ببناء الإنسان، ويُختبر في لحظات الأزمات. ومن يُحسن ترتيب الأولويات، يختصر الطريق، ومن يُخطئ البداية، يطيل التيه، ولو امتلك كل النوايا الحسنة.

المصدر / فلسطين أون لاين