في وقتٍ تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية في قطاع غزة إلى مستويات غير مسبوقة، تعود تصريحات ما يُسمى الممثل السامي لـ "مجلس السلام" الدولي نيكولاي ملادينوف لتثير جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الفلسطينية.
فبينما يتحدث ملادينوف عن ضرورة تحسين الأوضاع الإنسانية واحتواء الكارثة، يرى مراقبون ومحللون أن مواقفه العملية تنسجم مع سياسات تشديد الحصار وتضييق الخناق، بل وتذهب إلى تبني قضايا خلافية مثل نزع السلاح، وتعطيل عمل لجنة التكنوقراط الفلسطينية، بعيداً عن الأولويات الإنسانية الملحّة.
طالع المزيد: المكتب الحكومي يُفنِّد ادعاءات نيكولاي ملادينوف حول عدد الشاحنات التي دخلت غزة
وقال ملادينوف في تصريحاته: "(إسرائيل) تفرض قيوداً واسعة على دخول الاحتياجات الأساسية لسكان قطاع غزة، كما جرى تدمير آليات توزيع المساعدات أثناء الحرب ونعمل على إنشاء آليات جديدة". وأضاف أن سكان القطاع يعيشون ظروفاً مرعبة وغير إنسانية، ونقوم بإدارة المرحلة الانتقالية لإعادة توحيد القطاع والأراضي المحتلة تحت حكم السلطة.
يرى الكاتب والمحلل السياسي ذو الفقار سويرجو أن تصريحات ملادينوف "خارجة عن السياق"، ولا تنسجم مع الوقائع الميدانية، حيث تستمر سياسات الحصار والتجويع وتعطيل أي جهود إقليمية أو دولية لإنهاء الأزمة.

الكاتب والمحلل السياسي د. ذو الفقار سويرجو
ويؤكد سويرجو لـصحيفة "فلسطين"، أن الحديث عن تحسين الأوضاع لا يمكن فصله عن ضرورة تنفيذ المرحلة الأولى من أي اتفاق، والتي تتضمن إدخال المساعدات وفتح المعابر، قبل الانتقال إلى ملفات أكثر تعقيداً.
ويضيف سويرجو أن ملادينوف لم يُظهر في مواقفه أي انحياز حقيقي لمعاناة الفلسطينيين، بل بدا – وفق تعبيره – "لسان حال مجلس السلام و(إسرائيل)"، مكتفياً بإطلاق تصريحات إعلامية "للاستهلاك الخارجي" دون أي ترجمة عملية على الأرض.
من جانبه، يشير أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية د. رائد نعيرات إلى إشكالية جوهرية في الطرح الدولي، تتمثل في "القفز على المرحلة الأولى" من الاتفاقات، والتوجه مباشرة نحو قضايا حساسة مثل نزع السلاح.
طالع المزيد: ملادينوف يوجِّه تهديداتٍ صريحة لأعضاء في لجنة إدارة غزَّة ويواصل تعطيل عملها
ويؤكد نعيرات لـ "فلسطين"، أن الأولوية يجب أن تكون لتطبيق الالتزامات الإنسانية الأساسية، مثل إدخال الغذاء والدواء والوقود، والسماح بدخول لجنة التكنوقراط لمباشرة عملها، إضافة إلى انسحاب الاحتلال من المناطق المتفق عليها. أما إثارة القضايا الخلافية في هذه المرحلة، فيراها "محاولة لتبرير الفشل" وتقديم ذرائع للاحتلال لعدم تنفيذ التزاماته.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح د. رائد نعيرات
إعفاء من المسؤولية
تتقاطع آراء المحللين في أن تصريحات ملادينوف لا تخرج عن إطار تبرير العجز الدولي، بل وتنسجم – في بعض جوانبها – مع الرؤية الإسرائيلية والأمريكية. فبدلاً من الضغط لتنفيذ الاتفاقات الإنسانية، يتم تحميل المسؤولية لأطراف فلسطينية، وكأن الأزمة داخلية وليست نتيجة حصار وسياسات مفروضة.
ويشير سويرجو إلى أن ملادينوف "يعفي نفسه من المسؤولية"، رغم كونه جزءاً من المنظومة الدولية التي يفترض أن تضغط لإنهاء الحصار. بل ويذهب أبعد من ذلك، معتبراً أنه "ضمن الحلقة التي تخنق غزة"، عبر مواقفه التي لا تترجم إلى خطوات عملية.
ولا يختلف اثنان على توصيف الوضع في غزة بأنه كارثي، وهو ما أقر به ملادينوف نفسه في أكثر من مناسبة. لكن، وفق د. نعيرات، "المشكلة ليست في التشخيص، بل في غياب الفعل". فالعالم بأسره يدرك حجم المأساة، لكن المطلوب هو إجراءات عاجلة لوقف التدهور، وليس الاكتفاء بوصفه.
ويضيف أن استمرار الحديث عن الكارثة دون اتخاذ خطوات ملموسة، مثل إدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار ووقف الاستهداف الإسرائيلي، يعكس فشلاً واضحاً في أداء المهمة الدولية، بل ويثير تساؤلات حول جدوى الدور الذي يقوم به ملادينوف.
ويتفق المحللان على أن أي مسار جاد لتحسين الأوضاع في غزة يجب أن يبدأ من، رفع القيود عن إدخال المساعدات الأساسية، وفتح المعابر بشكل كامل، وإدخال الوقود والمستلزمات الطبية، والسماح بدخول لجنة التكنوقراط، وانسحاب الاحتلال من المناطق المتفق عليها.
طالع المزيد: عشائر غزَّة: ملادينوف أخفق في مهامِّه وسلاح المقاومة لا يمكن تسليمه
ويرون أن تجاهل هذه الخطوات، والانتقال إلى قضايا مثل نزع السلاح، لا يخدم سوى تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة.
في المحصلة، تعكس تصريحات ملادينوف فجوة متزايدة بين الخطاب الدولي والواقع الميداني في غزة. فبينما تتكرر الدعوات لتحسين الأوضاع، تستمر السياسات التي تعمّق الأزمة وتؤخر الحلول.
ومع غياب خطوات عملية ملموسة، تتآكل الثقة في الدور الدولي، ويزداد الشعور بأن ما يُطرح ليس سوى إدارة للأزمة، لا سعياً حقيقياً لإنهائها. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتحول الخطاب الدولي إلى فعل، أم تبقى غزة رهينة التصريحات المتناقضة؟.

