وقف أحد المواطنين على حافة طريقٍ ترابي غرب مدينة غزة، يرفع يده كلما مرت سيارة، ثم يعيدها ببطء حين تتجاهله أخرى مكتظة بالركاب. مضت أكثر من ساعة وهو ينتظر، والشمس تميل نحو الغروب، في حين تزداد وجوه الواقفين حوله توترًا ومللًا.
وحين توقفت سيارة أخيرًا، اندفع نحوها مع آخرين، قبل أن يسبقه صوت السائق: "فكّة بس". تفحّص محمود جيوبه على عجل، وأخرج ورقة نقدية من فئة كبيرة، لوّح بها قائلًا إنه لا يملك غيرها، لكن السائق هزّ رأسه ومضى، تاركًا وراءه غبارًا كثيفًا وخيبةً أثقل.
على بُعد أمتار، كانت امرأة تمسك بيد طفلها وتحاول إقناع سائقٍ آخر بقبول تحويل بنكي بدل الأجرة النقدية. أخرجت هاتفها ورفعته عاليًا لعلّه يلتقط إشارة أفضل، لكن شبكة الإنترنت كانت أبطأ من حاجتها للوصول. تكررت المحاولة، وتكرر الرفض، بينما بدأ الطفل بالبكاء، وراحت هي تنظر حولها كمن يبحث عن مخرجٍ لا يأتي.
في قطاع غزة، لم تعد أزمة المواصلات مجرد تأخير عابر، بل تحوّلت إلى امتحان يومي للقدرة على الوصول: إلى العمل، إلى المستشفى، أو حتى إلى المنزل. سيارات قليلة، وقود شحيح، و"فكّة" مفقودة… تفاصيل صغيرة تتراكم لتصنع رحلة قد لا تبدأ أصلًا.
وتعيش منظومة النقل في القطاع حالة من الانهيار التدريجي بفعل تداعيات الحرب المستمرة، إذ تراجعت أعداد السيارات العاملة على نقل المواطنين بشكل حاد، مقابل ازدياد ملحوظ في المركبات المتوقفة عن العمل، نتيجة الدمار أو الأعطال أو فقدان القدرة على التشغيل.
هذا الانكماش في أسطول النقل العمومي لم ينعكس فقط على عدد الرحلات المتاحة، بل طال مجمل بنية الحركة اليومية داخل المدن وبين المحافظات، ما جعل التنقل مهمة معقدة تستنزف وقت المواطنين وجهدهم. ومع شح الوقود وارتفاع تكلفته، بات تشغيل المركبات عبئًا اقتصاديًا ثقيلًا على السائقين، ما يدفع كثيرين منهم إلى تقليص ساعات العمل أو التوقف كليًا، الأمر الذي فاقم أزمة العرض مقابل الطلب.
وفي ظل هذا الواقع، تحوّلت شوارع غزة إلى نقاط انتظار مفتوحة وطويلة، يقف فيها المواطنون لساعات بحثًا عن وسيلة نقل قد لا تأتي، في مشهد يعكس تآكل قدرة القطاع على توفير أبسط خدمات الحركة، ويؤشر إلى أزمة أعمق تمسّ البنية الاقتصادية والاجتماعية للحياة اليومية.
معركة يومية
يقول أحمد طافش (34 عامًا)، ويعمل محاسبًا في شركة خاصة، لصحيفة "فلسطين": "الخروج من البيت أصبح معركة يومية بحد ذاته. أستيقظ قبل موعد عملي بساعتين على الأقل، ليس لأن الطريق بعيد، بل لأن الوصول غير مضمون. أقف على الشارع منتظرًا سيارة قد تمر أو لا تمر، وإذا مرت تكون ممتلئة، أو يرفض السائق التوقف أساسًا. أحيانًا أضطر إلى المشي مسافات طويلة بين نقطة وأخرى على أمل العثور على سيارة أقل ازدحامًا، لكن غالبًا بلا جدوى".
ويضيف: "المشكلة لا تتوقف عند قلة السيارات، بل تمتد إلى مسألة الدفع. معظم السائقين يطلبون (فكّة)، وأنا مثل كثيرين لا أملك عملة معدنية. أحمل أوراقًا نقدية، لكنها تصبح بلا قيمة في تلك اللحظة، وكأنها غير موجودة. مرة اضطررت للعودة إلى المنزل لأنني لم أتمكن من دفع الأجرة، رغم أن المال كان في جيبي. جرّبت الدفع عبر التطبيق البنكي، لكن ضعف الإنترنت يجعل العملية تستغرق وقتًا طويلًا، ما يدفع السائق إلى رفضها".
ويتابع طافش: "في كثير من الأيام أصل إلى عملي متأخرًا، وأحيانًا أُجبر على الغياب، وهذا بدأ يؤثر على استقراري الوظيفي. أشعر أنني عالق بين واقع لا يمكن التحكم فيه ومسؤوليات لا تنتظر. حتى العودة إلى المنزل في نهاية اليوم ليست أسهل، بل ربما أكثر صعوبة، لأن عدد السيارات يقل مع المساء. باختصار، لم تعد المشكلة مجرد مواصلات، بل أصبحت تهديدًا حقيقيًا لمصدر رزقي وحياتي اليومية".
هاجس يومي
من جانبها، تقول سمر اليازجي، التي تعمل في مركز صحي غرب مدينة غزة، لصحيفة "فلسطين": "أكبر هاجس يومي بالنسبة لي لم يعد العمل نفسه، بل كيف أصل إليه. أخرج من المنزل في وقت مبكر جدًا، وأترك أطفالي على أمل الوصول في الوقت المناسب، لكن ذلك لا يحدث دائمًا. أقف على الطريق مع عشرات النساء والرجال ننتظر أي وسيلة نقل، ومع كل دقيقة تمر نشعر أننا نخسر شيئًا".
وتضيف: "أحيانًا تمر سيارة، فيندفع الجميع نحوها في مشهد مؤلم يعكس حجم الأزمة. وحتى عندما أتمكن من الصعود، تبدأ مشكلة أخرى تتعلق بالأجرة. السائق يطلب (فكّة)، وأنا لا أملكها، فأجد نفسي في موقف محرج أمام الركاب".
وفي كثير من الأحيان، تضطر اليازجي إلى طلب المساعدة من الآخرين لتأمين المبلغ المناسب، أو تعد السائق بالدفع لاحقًا عند وصولها إلى منزلها، وهو ما يرفضه معظم السائقين.
وتتابع: "هذا التوتر اليومي يرافقني طوال الطريق، ويؤثر على حالتي النفسية قبل وصولي إلى عملي، حيث يُفترض أن أكون في حالة تركيز لخدمة المرضى. وفي نهاية اليوم، تتكرر المعاناة نفسها أثناء العودة إلى المنزل، خاصة مع قلة السيارات ليلًا".
وتختم: "أشعر أن أبسط الحقوق، وهو التنقل، أصبح عبئًا ثقيلًا. لم نعد نفكر في الراحة أو الوقت، بل فقط في كيفية الوصول، وهذا بحد ذاته استنزاف يومي لا يقل قسوة عن أي معاناة أخرى نعيشها".
معيقات المواصلات العامة
يقول أبو خالد أبو ضلفة، سائق سيارة أجرة مرفقة بعربة، لـ"فلسطين": "يظن الناس أننا نبالغ أو نستغل الأزمة، لكن الحقيقة أن السائق يعيش تحت ضغط لا يقل عن الركاب، وربما أكثر. أخرج يوميًا وأنا غير متأكد إن كنت سأغطي حتى تكلفة التشغيل. الوقود نادر وغالٍ، وأحيانًا أضطر لشرائه من السوق بأسعار مرتفعة جدًا. إن لم أعمل أخسر، وإن عملت قد لا أربح".
ويضيف: "أكبر مشكلة نواجهها اليوم لا تقتصر على الوقود، بل تشمل كل ما يتعلق بالمركبة. الزيت الذي كنت أشتريه بـ12 شيقلًا، أصبح اليوم بـ1200 شيقل، وهو رقم غير منطقي، لكننا مضطرون. قطع الغيار شبه معدومة، وإن وُجدت فبأسعار خيالية. أي عطل بسيط قد يوقف السيارة أيامًا أو أسابيع، ولا أملك ترف الانتظار، فهذه السيارة مصدر رزقي الوحيد".
وعن أزمة "الفكّة"، يقول: "الكثير يلوم السائقين، لكننا أيضًا ضحايا. عندما نتلقى ورقة نقدية كبيرة، لا نستطيع تصريفها بسهولة، ونبقى طوال اليوم نبحث عن (فكّة) لإرجاع الباقي. لذلك يضطر بعض السائقين إلى شراء (فكّة) بسعر أعلى، ما يشكل خسارة إضافية. تخيل أنني أشتري 70 شيقلًا (فكّة) مقابل 100 شيقل تحويل بنكي، فقط لأستطيع العمل!".
ويتابع بنبرة مرهقة: "حتى الدفع الإلكتروني ليس حلًا مثاليًا. الإنترنت ضعيف، وقد تستغرق العملية دقائق طويلة، وخلالها يكون هناك ركاب ينتظرون، وقد أخسر دوري أو أتعرض لمشاكل. نحن نعمل في ظروف غير طبيعية، وكل يوم نتساءل: هل نستمر أم نتوقف؟".
ويختم: "إذا استمرت الأوضاع على هذا النحو، سيختفي عدد كبير من السائقين من الشارع، ليس لأنهم لا يريدون العمل، بل لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمل الخسائر. لا نبحث عن أرباح كبيرة، فقط نريد أن نعيش ونستمر، لكن حتى ذلك أصبح صعبًا".
تشير المؤشرات إلى أن أزمة النقل في قطاع غزة مرشحة لمزيد من التفاقم، في ظل غياب حلول جذرية لأزمات الوقود وقطع الغيار والزيوت الصناعية، وتراجع القدرة التشغيلية للمركبات.
ومع استمرار تآكل أسطول النقل العمومي، يُتوقع أن ينخفض عدد المركبات تدريجيًا، ما سيؤدي إلى تضييق أكبر على حركة المواطنين داخل المدن وبينها، ويجعل التنقل اليومي أكثر صعوبة وكلفة.
ولا يهدد هذا التدهور فقط سهولة الوصول إلى العمل والخدمات الأساسية، بل يمتد تأثيره إلى الدورة الاقتصادية برمتها، نظرًا لارتباط النشاط التجاري والخدمي بحرية الحركة.
وفي حال استمرار الوضع على ما هو عليه، يحذر سائقون ومراقبون من احتمال وصول منظومة النقل إلى حالة شبه شلل في بعض المناطق، مع تزايد الاعتماد على بدائل غير منظمة أو مرتفعة الكلفة.

