- الأسير محمد أبو حليمة يقترب من عامه الثالث دون تواصل مع عائلته
- المحرر ورش أغا: رأيت الموت أمام عيني مرات عديدة
- ناشط حقوقي: حرمان واسع من الحقوق الأساسية داخل السجون
في ظروف عصيبة وأوضاع قاسية، يعيش الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال واحدة من أصعب المراحل في تاريخ الحركة الأسيرة. ولا تقتصر معاناتهم على سلب الحرية، بل تمتد لتشمل الإهمال الطبي المتعمد، والتضييق اليومي، وغياب أدنى مقومات العدالة، إلى جانب ممارسات تعذيب متعددة، مع توجهات لتشريع قوانين تشرعن القتل داخل السجون، في صورة تعكس تصاعدًا خطيرًا في السياسات العقابية.
ويحل يوم الأسير الفلسطيني، الذي يوافق 17 نيسان/أبريل من كل عام، في وقت تتصاعد فيه الانتهاكات بشكل غير مسبوق، مع تفاقم ظروف الاحتجاز، وتزايد الشهادات حول سوء المعاملة الجسدية والنفسية، والحرمان من العلاج، وسحب الإنجازات التي حققتها الحركة الأسيرة عبر سنوات طويلة من النضال.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ارتفع عدد الأسرى الفلسطينيين بنسبة 83%، متجاوزًا 9600 أسير حتى مطلع أبريل/نيسان الجاري، مقارنة بنحو 5250 قبل ذلك التاريخ. كما تشير معطيات حقوقية إلى وجود 86 أسيرة ونحو 350 طفلًا معتقلًا، إلى جانب ارتفاع ملحوظ في أعداد الأسرى المرضى نتيجة ظروف الاحتجاز القاسية. واستشهد أكثر من 100 أسير منذ بدء الحرب على قطاع غزة، أُعلن عن هويات 89 منهم، فيما لا يزال آخرون رهن الإخفاء القسري.
رحلة قلق وانتظار
يقترب الأسير محمد أبو حليمة، من قطاع غزة، من دخول عامه الثالث في الأسر دون أن تتمكن عائلته من زيارته أو التواصل معه، إذ لا تعرف عنه سوى معلومات متقطعة تصلها على فترات متباعدة.
يقول والده، فؤاد أبو حليمة، لـ "فلسطين أون لاين": "محمد، عمره 40 عامًا، متزوج ولديه أربعة أطفال. اعتُقل في 18 ديسمبر 2023، ومنذ ذلك اليوم بدأت معاناتنا الحقيقية، خاصة بعد اختفائه مع والدته أثناء وجودهما في المستشفى المعمداني، وبقينا نبحث عنهما شهرًا كاملًا قبل أن نعرف أنهما أُسرا، ثم أُفرج لاحقًا عن والدته".
اقرأ أيضًا: معطيات: أكثر من 9600 أسير في سجون الاحتلال حتى مطلع الشهر الجاري
ويضيف: "عشنا أيامًا قاسية مليئة بالخوف والضياع، فقدنا خلالها أبناءنا لفترات، وكان لدينا شهيد ومصابون في العائلة. وبعد نحو شهر بدأنا نحصل على معلومات محدودة عنه، ثم تواصل معنا محامٍ من القدس قبل عام تقريبًا، وأبلغنا أنه كان معتقلًا في سجن المسكوبية، قبل أن يُنقل لاحقًا بين عدة سجون، منها عوفر والنقب ونفحة".
ويتابع بحزن: "لم نتمكن من التواصل معه حتى الآن، وكل ما نعرفه وصلنا عبر أسرى أُفرج عنهم ضمن صفقة تبادل في أكتوبر 2025، حيث طمأنونا أنه بصحة جيدة وموجود في سجن نفحة".
ويشير إلى أن الأطفال هم الأكثر تأثرًا بغياب والدهم، مضيفًا: "في كل مناسبة يتذكرونه ويشعرون بفراغ كبير. لا نملك سوى الصبر ومحاولة التخفيف عنهم". ويختتم بالقول: "نعيش على أمل عودته سالمًا، رغم الخوف المتزايد في ظل ما نراه من اقتحامات واعتداءات داخل السجون".
"مقبرة الأحياء"
من جانبه، يصف المحرر جمعة ورش أغا، الذي أمضى عامًا ونصف في الاعتقال، السجن بأنه "مقبرة للأحياء"، مؤكدًا أن كل يوم داخله يعادل سنوات من المعاناة بسبب التجويع والإهانة وانعدام الإنسانية.
ويقول لـ "فلسطين أون لاين": "رأيت الموت أمام عيني مرات عديدة، وكنا ننتظره أكثر مما ننتظر الحياة. لم تكن هناك أي رعاية أو اهتمام، وكأن الإنسان يُترك لمصيره. حتى الحصول على لقمة طعام أو الهواء كان معاناة بحد ذاته".
اقرأ أيضًا: ظروف اعتقالية قاسية يعيشها أسرى غزة داخل سجن "جانوت"
ويروي عن أساليب التعذيب: "إذا أُغمي على أحد، كانوا يصعقونه بالكهرباء لإفاقته أو يجرّونه على الأرض. كنا نُضرب بالكهرباء، ونُحتجز في غرف شديدة الظلام، وتُطلق علينا كلاب مدربة ونحن مقيدون، غير قادرين على الدفاع عن أنفسنا".
ويضيف: "كنا نعلّق آمالنا على الأعياد أو أي تحرك دولي، لكن دون جدوى، ما يزيد من شعور الإحباط". ويشير إلى انقطاع شبه كامل عن العالم الخارجي، حتى خلال زيارات الصليب الأحمر، حيث لم يُبلغوا بقرب الإفراج عنهم إلا في اللحظة الأخيرة.
ويؤكد أنه تنقل بين عدة سجون، منها المسكوبية وسديه تيمان والنقب، واصفًا سجن "سديه تيمان" بأنه الأصعب، بسبب التقييد المستمر والتحقيق المتواصل، إضافة إلى شح المياه والطعام، حيث لم يكن يُسمح لهم بالماء سوى نصف ساعة يوميًا، فيما كانت وجبات الطعام لا تتجاوز ربع رغيف مع قطعة صغيرة من الجبن.
سياسات ممنهجة
بدوره، يؤكد الناشط الحقوقي رائد البرش أن ما يتعرض له الأسرى هو نتيجة سياسات ممنهجة ينتهجها الاحتلال، تهدف إلى التضييق عليهم وحرمانهم من حقوقهم الأساسية، مشيرًا إلى أن هذه السياسات أدت في حالات عديدة إلى وفاة أسرى داخل السجون.
ويقول إن من أخطر هذه الممارسات الإهمال الطبي المتعمد، والاعتقال الإداري، والمحاكمات التي تفتقر إلى معايير العدالة، إلى جانب التوجه نحو تشريع قانون إعدام الأسرى، بما يعكس استخفافًا واضحًا بحياتهم.
ويضيف أن الإجراءات بحق الأسرى المرضى شهدت تشديدًا ملحوظًا، خاصة لمن يعانون أمراضًا مزمنة، لافتًا إلى شهادات تفيد بتعرضهم لسوء معاملة خلال الفحوصات الطبية، حيث يُنكر الطبيب العسكري إصابتهم بأمراض خطيرة دون تقديم العلاج اللازم.
ويشير إلى أن هذه الممارسات لا تقتصر على الإهمال الطبي، بل تشمل أيضًا ضغوطًا نفسية ممنهجة، تسهم في تدهور الحالة الصحية للأسرى.
ويختتم البرش بالتأكيد على أن السجون الإسرائيلية تحولت إلى بيئة للعقاب الجماعي، تُمارس فيها مختلف أشكال القمع، من العزل الانفرادي إلى الإهانات المستمرة، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.