مع استمرار الحصار المتواصل وإغلاق المعابر، تتكشف في قطاع غزة أزمة إنسانية جديدة تمسّ أدق تفاصيل الحياة اليومية، فقد اختفت حفاضات الأطفال من الأسواق بشكل شبه كامل، لتجد آلاف العائلات نفسها أمام خيارات قاسية، بين العجز عن توفيرها أو اللجوء إلى بدائل مؤذية تهدد صحة أطفالها.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تفاقمت الأزمة بصورة لافتة، مع ارتفاع أسعار الكميات المحدودة المتوفرة إلى مستويات غير مسبوقة. فبعد أن كانت عبوة الحفاضات تُباع بنحو 25 شيكلًا، تجاوز سعرها 200 شيكل، وسط طلب متزايد وانقطاع شبه تام للإمدادات.
طالع المزيد: حفاضات الأطفال في غزة.. تقنين قاسٍ وبدائل تهدد صحة الرضع
هذا الواقع يضع مئات آلاف الأطفال الرضع في دائرة الخطر، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية المتدهورة، حيث تعيش غالبية الأسر تحت خط الفقر، وتعاني النزوح وفقدان مصادر الدخل.
وفي شهادات لصحيفة "فلسطين"، يكشف مواطنون عن حجم المعاناة اليومية. يقول إبراهيم علي (38 عامًا) من مخيم الشاطئ غرب غزة: "توقفنا تمامًا عن شراء الحفاضات منذ أسابيع، لم أعد أستطيع تحمل تكلفتها. نستخدم قطع قماش قديمة، لكن طفلي يعاني التسلخات والبكاء المستمر".
أما أحمد أبو معالي (30 عامًا) من حي النصر، وهو أب لتوأمين، فيروي تجربة لا تقل قسوة: "أشتري حفاضات كبار السن وأقوم بتقطيعها لاستخدامها للأطفال. أعلم أنها غير مناسبة، لكن لا خيار آخر. أخشى على صحة أطفالي في كل مرة أستخدمها".
في حين يشير عبد الله أبو شوارب إلى محاولات بدائية اضطرت إليها زوجته، قائلًا: "استخدمنا أكياس النايلون مع القماش، لكن ابنتي أصيبت بتسلخات والتهابات حادة. لا يوجد بديل آمن".
ويؤكد مواطنون أن الجمعيات والمؤسسات الإنسانية التي كانت توفر الحفاضات سابقًا، لم تعد قادرة على تقديم المساعدة، بسبب إغلاق المعابر ومنع دخول الإمدادات، ما فاقم من حدة الأزمة.

من جانبه، يوضح التاجر أحمد الشرباصي أن الأزمة بدأت تدريجيًا قبل أن تتفاقم مؤخرًا، نتيجة توقف الإمدادات وارتفاع الطلب. ويقول: "الكميات المتوفرة قليلة جدًا، وهذا ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير"، مشيرًا إلى وجود شحنات في الطريق، مع مخاوف من إعاقتها.
على الصعيد الصحي، يحذر طبيب الأطفال محمد النجار من خطورة استخدام البدائل غير المناسبة، مؤكدًا أنها تؤدي إلى زيادة حالات الالتهابات الجلدية الحادة، التي قد تتطور إلى تقرحات ونزيف.
ويشير إلى أن بشرة الأطفال الحساسة، عند تعرضها للرطوبة ومواد غير ملائمة، تصبح بيئة خصبة للالتهابات الفطرية والبكتيرية، التي قد تتفاقم لتصل إلى مجرى الدم في بعض الحالات.
كما لفت إلى أن هذه البدائل لا توفر امتصاصًا كافيًا، ما يزيد من احتمالية العدوى، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة، فضلًا عن خطر التلوث بالجراثيم. وحذر أيضًا من ممارسات خاطئة، مثل استخدام المياه المالحة، لما لها من تأثير يزيد من تهيج الجلد.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الصحي، بل تمتد إلى الحالة النفسية للأطفال، حيث يؤدي الانزعاج المستمر إلى اضطرابات في النوم وفقدان الشهية.
طالع المزيد: من حفاضات إلى أكياس نايلون.. كرامة الطفولة تحت الحصار
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو أزمة حفاضات الأطفال في غزة أكثر من مجرد نقص في سلعة استهلاكية، إذ تحولت إلى أزمة تمس صحة وكرامة مئات آلاف الأطفال، وتضع عائلاتهم أمام خيارات قاسية.
ومع استمرار إغلاق المعابر وتعطل سلاسل الإمداد، يبقى الأمل معقودًا على دخول المساعدات واستئناف تدفق السلع الأساسية، للتخفيف من معاناة يومية تثقل كاهل السكان، وتترك آثارًا عميقة على جيل كامل يبدأ حياته في ظروف بالغة القسوة.

