بعد محاولات متكررة لتخفيف ألم أسنانها عبر المسكنات، اضطرت المريضة أحلام عودة أخيرًا للتوجه إلى إحدى عيادات الفم والأسنان التي نجت من القصف خلال الحرب.
لم تستغرق دقائق على كرسي الفحص، حتى أبلغها الطبيب بأنها بحاجة عاجلة إلى سحب عصب أحد الأسنان وتعويضه بـ"حشوة عصب"، بتكلفة تتراوح بين 200 و300 شيقل (نحو 70–100 دولار).
لكن أحلام (45 عامًا)، النازحة من شمال غزة إلى خيمة في بلدة الزوايدة وسط القطاع، لم تتمكن من تحمّل هذه التكلفة، خاصة بعد فقدان منزلها ومصدر دخل زوجها الذي بات عاطلًا عن العمل.
ومع استمرار الألم، توجّهت الأم لأربعة أبناء إلى أحد المراكز الطبية الأهلية في دير البلح، على أمل الحصول على علاج بتكلفة أقل، لكنها فوجئت بإغلاق عيادة الأسنان داخل المركز منذ أيام، بسبب نفاد المواد والمستلزمات الطبية اللازمة.
ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، تحذّر مؤسسات صحية دولية من توقف الخدمات الصحية في غزة، نتيجة القيود الإسرائيلية المستمرة على إدخال الإمدادات عبر المعابر.
وبفعل الحرب وتدمير المنظومة الصحية، أكدت وزارة الصحة أن القطاع تجاوز حدود الأزمات التقليدية، ليصل إلى مستوى كارثي تُنتهك فيه أبسط الحقوق الصحية، في ظل عجز دولي واضح عن احتواء الأزمة.
الحالات الطارئة فقط
أمام هذا الواقع، اضطر طبيب الأسنان مصطفى سعيد إلى استقبال الحالات الطارئة فقط داخل عيادته، واصفًا وضع عيادات الأسنان في غزة بأنه "غير مسبوق".
ويقول سعيد إن نقص المستلزمات وضع الطبيب والمريض في "حالة حرجة للغاية"، موضحًا أنه حتى في حال توفر بعض المواد عبر السوق غير الرسمي، فإن أسعارها تكون باهظة جدًا.
ويضيف، لصحيفة "فلسطين"، أن العيادات اعتمدت في بداية الحرب على المخزون المتوفر لدى شركات الأدوية، ثم لجأت لاحقًا إلى حلول بديلة بالتنسيق مع وزارة الصحة، لضمان استمرار الحد الأدنى من الخدمة.
لكن الوضع الحالي، بحسب سعيد، بلغ مرحلة حرجة، في ظل منع إدخال مستلزمات العلاج والأدوية الخاصة بطب الأسنان، ما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار ما تبقى منها داخل القطاع.
ويستعرض نماذج من هذه الزيادات، موضحًا أن سعر علبة التخدير (البنج) ارتفع من 110 شيقل إلى نحو 600 شيقل إن توفرت، فيما قفز سعر علبة حشوات العصب من 12 شيقلًا إلى 150 شيقلًا، وارتفع لاصق العصب من 50 إلى 200 ثم 600 شيقل، إضافة إلى ارتفاع أسعار أدوات أخرى مثل قنوات العصب ومواد التعقيم.
ويشير إلى أن بعض الحالات يمكن تأجيلها أو الاكتفاء بالمسكنات، لكن الحالات الطارئة تُعالج بعد إبلاغ المرضى بالتكلفة المرتفعة، مؤكدًا أن العديد من الخدمات توقفت بالفعل داخل العيادات الخاصة والأهلية.
كما يلفت إلى صعوبات إضافية تواجه العيادات، سواء داخل المباني أو الخيام، أبرزها انقطاع الكهرباء أو ارتفاع كلفتها عبر المولدات، إلى جانب صعوبة توفير المياه ومواد التعقيم.
أزمات متفاقمة
من جهته، يؤكد نقيب أطباء الأسنان في غزة، د. عرفان اشتيوي، أن تداعيات الحرب، بما فيها الضغوط النفسية وانتشار المجاعة وسوء التغذية، أدت إلى تفاقم أمراض الفم والأسنان بين المواطنين.
ويوضح، لـ"فلسطين"، أن قطاع طب الأسنان لم يكن بمنأى عن التدمير الذي طال مختلف القطاعات، ورغم ذلك حاولت العيادات الخاصة الصمود والاستمرار في تقديم خدماتها.
ويستعرض اشتيوي جملة من التحديات، أبرزها القصف والنزوح، وانعدام الكهرباء والمياه ومواد التعقيم، مشيرًا إلى جهود النقابة بالتعاون مع وزارة الصحة لتخفيف الأزمة، مثل توفير مواد التخدير للعيادات المرخصة، وتأمين أماكن لتعقيم الأدوات.
ويضيف أن العيادات استنزفت مخزونها من الأدوية والمستلزمات، ولم تعد قادرة على الحصول عليها حتى عبر التجار، بسبب شحّها في السوق.
ويتساءل: "لماذا يُمنع إدخال مواد طبية خاصة بطب الأسنان؟ هذه خدمة صحية أساسية لا يجوز قانونيًا منعها".
ويؤكد أن الحرب أدت إلى تدمير الأجهزة والمستلزمات الطبية، وأن العيادات ومعامل الأسنان باتت مهددة بالتوقف الكامل، في ظل انعدام البدائل.
كما يحذر من أن جميع الحلول المؤقتة قد استُنفدت، في ظل الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من عامين.
ووفق مؤسسات حقوقية، تعرقل سلطات الاحتلال وصول المساعدات الإنسانية والصحية إلى القطاع، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية التي تستهدف مناطق سكنية.
وفي ختام حديثه، شدد نقيب أطباء الأسنان على ضرورة تدخل المؤسسات الأممية والصحية، والنقابات العربية والدولية، بشكل عاجل لإنقاذ هذا القطاع، عبر إدخال المساعدات الطبية وتمكين المراكز الأهلية من تقديم خدماتها بتكلفة رمزية للمرضى والنازحين.
وبحسب نقابة أطباء الأسنان، أسفرت الحرب عن استشهاد نحو 150 طبيب أسنان، وتدمير قرابة 80% من عيادات طب الأسنان في قطاع غزة، ما يعمّق من حجم الكارثة الصحية المتفاقمة.