بصوتٍ مثقلٍ بالحزن، وعينين لم تجفّ دموعهما منذ شهور، تروي زوجة الجريح رائد وليد سليمان المريدي (37 عامًا) تفاصيل مأساة بدأت برصاصةٍ غادرة، وانتهت بحياةٍ معلّقة بين الألم والأمل داخل مجمع ناصر الطبي جنوب قطاع غزة، وسط نداءات عاجلة لإنقاذه قبل فوات الأوان.
تقول الزوجة لصحيفة "فلسطين": "كان رائد كل حياتي.. سندي وعمود البيت، وأبًا حنونًا لخمسة أطفال، لم يكن يطلب من الدنيا سوى أن يؤمّن لهم لقمة العيش".
في يونيو/ حزيران 2025، خرج رائد، كما يفعل كثير من الآباء في غزة، بحثًا عن مساعدات إنسانية لتوفير الطعام والشراب لأطفاله، في ظل ظروف معيشية قاسية فرضتها الحرب والحصار. وتضيف زوجته: "خرج وهو يحمل همّ أطفاله فقط، لم يكن يحمل سلاحًا، ولا يبحث عن شيء سوى ما يسدّ جوعهم".
لكن تلك الرحلة تحوّلت إلى مأساة. تتابع بصوتٍ متهدّج: "أُصيب برصاصةٍ في رأسه، كانت إصابة دخول وخروج.. ومنذ تلك اللحظة تغيّرت حياتنا بالكامل".
وتصف اللحظات الأولى بعد إصابته: "وصلنا الخبر كالصاعقة، ركضنا إلى المستشفى، لم أكن أصدق ما أراه.. كان بين الحياة والموت، وجهه شاحب، وجسده بلا حراك".
وخضع رائد لعملية جراحية عاجلة في رأسه، في محاولة لإنقاذ حياته. وتقول زوجته: "تمسكنا بأي أمل، الأطباء بذلوا كل ما بوسعهم، لكن حالته كانت معقّدة للغاية". وبعد فترة، أُجريت له عملية ثانية، "لكن للأسف لم تنجح، واستمر تدهور حالته".
وبعد شهرٍ من الإصابة، فقد رائد القدرة على الكلام. تروي زوجته تلك اللحظة قائلة: "كنت أنتظر أن أسمع صوته، أن يناديني باسمي، لكنه صمت فجأة.. صمتٌ لا يُحتمل". وتضيف: "أصبح يتواصل معنا بنظراته فقط، وكأن عينيه تحاولان أن تقول كل شيء".
غير أن الصدمة الأكبر كانت بإصابته بشللٍ رباعي كامل. تقول: "أخبرنا الأطباء أن أطرافه الأربعة لا تتحرك، لم أستوعب في البداية.. كيف لرجل كان يركض من أجل أطفاله أن يصبح عاجزًا عن تحريك يده؟".
ومنذ ذلك الحين، أصبح رائد طريح الفراش، يحتاج إلى رعاية كاملة في كل تفاصيل حياته. وتوضح زوجته: "أساعده في كل شيء.. في الطعام والشراب، في تنظيفه، وحتى في تغيير وضعيته. لم يعد قادرًا على فعل أي شيء بمفرده".
وتتابع بحسرة: "كنت أراه قويًا، يحمل أبناءه ويضحك معهم.. واليوم أنا من أحمله بين يديّ. هذا أصعب شعور يمكن أن تعيشه زوجة".
وفي ظل هذه المعاناة، تتحمّل الزوجة وحدها أعباء الحياة، بين رعاية زوجٍ مشلول وتربية خمسة أطفال، في ظروف إنسانية بالغة القسوة. تقول: "الأطفال يسألون عنه دائمًا.. لماذا لا يتكلم؟ لماذا لا يلعب معنا؟ ولا أعرف ماذا أجيبهم".
وتضيف: "أصغرهم لا يفهم ما حدث، يقترب منه ويحاول اللعب معه، لكنه لا يجد سوى نظرات صامتة".
ورغم شعورها بالعجز أحيانًا، تؤكد أنها تحاول التماسك من أجل أطفالها وزوجها: "أبكي كثيرًا، لكن ليس أمامهم.. يجب أن أكون قوية، حتى لو كنت منهارة من الداخل".
وتشير إلى أن زوجها بحاجة ماسة إلى عمليات جراحية متقدمة في ظل تدهور حالته الصحية، مؤكدة أن الإمكانيات الطبية في غزة محدودة، "والأطباء يؤكدون أن حالته تتطلب علاجًا غير متوفر هنا".
وتشدد على أن إصابته لم تكن خلال مواجهة أو اشتباك، بل أثناء محاولته الحصول على مساعدات إنسانية: "ذهب ليجلب الطعام لأطفاله، فعاد إلينا جريحًا.. بلا حركة ولا صوت".
وتلازم زوجها في المستشفى دون انقطاع، قائلة: "أنا معه في كل لحظة، لا أستطيع تركه.. هو بحاجة لي، ولن أتخلى عنه مهما كان الثمن".
وتختتم بنداءٍ مؤثر: "لا نطلب الكثير.. فقط فرصة لعلاجه خارج غزة، ليعود إلى أطفاله، حتى لو لم يعد كما كان، يكفي أن يتحسّن قليلًا".
وتضيف: "ادعوا له بالشفاء، وادعوا لكل جرحى غزة، فكل بيت هنا يحمل قصة ألم".
وتبقى قصة رائد المريدي واحدة من آلاف القصص التي تختصر معاناة عائلات كاملة، تغيّرت حياتها في لحظة، وباتت تعيش على أملٍ هشّ في الشفاء، وسط واقعٍ قاسٍ وحربٍ لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على كل تفاصيل الحياة في قطاع غزة