في الربيع الـ20 من عمرها، كانت أسماء الحتو تُعلّق فستان زفافها وتُرتّب بيتها المنتظر... وبعد ثلاث سنوات، لا تزال تُعلّق الحلم ذاته، في حين يقبع عريسها خلف القضبان.
تمر الأيام ببطء ينهش صبرها، في حين يلاحقها سؤال واحد: كيف تحول الحلم إلى كابوس؟ وتستعيد كلمات وذكريات ضياء الدين الدحدوح، خطيبها الذي اختطفته قوات الاحتلال من وسط مدينة غزة، وسلبت معه سعادتها.
في مارس/آذار 2023، دق ضياء باب قلبها، حين تقدمت والدته لطلب يدها من أهلها، فوافقت ليصبح الشاب العشريني فارس أحلامها، وشريك حياتها، ويصيران روحا واحدة في جسدين.
"حددنا فرحنا بيوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2023... جهزت كل اشي، وكنت عند أهل خطيبي يوم الجمعة (السادس من أكتوبر)"، تعود أسماء في حديثها مع "فلسطين أون لاين" إلى تاريخ لن تنساه، سبق حرب الإبادة الجماعية بيوم واحد.
في رفح، التي نزحت إليها قسرا مع عائلتها آنذاك، كان قلبها لا يزال في مدينة غزة، حيث ظل خطيبها ضياء تحت النار. مسافة قصيرة بين المدينتين أضحت بعيدة بفعل الحرب. صالت أسماء وجالت، بحثا عن وميض أمل يوصلها به ويحيي روحها المعذبة بالبعد.
في انتظار صوت تتوق لسماعه، مضت الأيام على أسماء دون خبر. الاتصال مقطوع، والشغف يزيد، والقلب ينبض بما لا يسمعه سواها. تحلق بها مشاعر الحب بعيدا، وتأتي بها الهواجس إلى حيث لا تريد.
كان ضياء وأهله قد نزحوا قسرا من منزلهم بحي الزيتون جنوب شرق غزة إلى مبنى مديرية غرب غزة في منطقة اليرموك، دون أن يعلم بنزوح خطيبته إلى جنوب القطاع في نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
يغلب الحنين على نبرة صوتها، ويغلف الشوق كلماتها: "كان الاتصال مقطوع (بفعل الاحتلال)... أحيانا يجي وأحيانا لا، وفي يوم 15 ديسمبر 2023 كان الي أسبوع ما حكيت معه نهائيا".
في ذلك اليوم دفعتها الحيرة والقلق إلى خيام الصحفيين في محيط المستشفى الكويتي برفح. باغتتهم بطلبها: "بدي أتواصل مع خطيبي وأطمن عليه بأي طريقة. وفجأة أخبروني بأن الإرسال عاد".
فرح الجميع بعودة الاتصالات باستثنائها، كان الخوف يأكلها، وقلبها يقول لها إن سوءا ما أصاب ضياء. أمسكت هاتفها واتصلت به، مرارا وتكرارا، لكنه لم يجب.
في إحدى المحاولات، رنّ الهاتف أخيرًا. لم يكن صوته. جاءها صوت امرأة… متردد، ومرتبك. عرّفت بنفسها: زوجة صديقه، التي ائتمنها ضياء على هاتفه ومفتاح سيارته.
حاولت أن تبدو عادية، أن تقول أي شيء… إلا الحقيقة. تسألها أسماء: "وين ضياء؟" فتتلعثم الكلمات في الطرف الآخر.
صمت قصير… ثم إجابة تخفي كل شيء. لم تقل إنه معتقل. لكنها لم تقل إنه بخير أيضًا. في تلك اللحظة، لم تكن أسماء تحتاج إلى إجابة. قلبها سبق الكلمات… وأخبرها بما لم يُقل.
علم الجميع بأمر اعتقاله، إلا أسماء، يخشون على قلبها. وبعد أسبوع من "العذاب"، صدمت بنبأ زج فارسها خلف قضبان المحتل، أثناء حديثها مع أحد أقارب خطيبها.
عن تفاصيل اعتقاله، تقول: "حاصرهم الاحتلال في منطقة ملعب اليرموك، واعتقل كل من كان هناك. النساء والرجال جميعًا. لم يبقَ سوى زوجة صديق ضياء. أبلغتني أن الجنود أمروهم بخلع ملابسهم، وعاملوهم بهمجية".
وتصمت قليلًا، قبل أن تضيف: "أما أبوه... استهدفه الاحتلال في اليوم والمكان ذاته، وحوّله إلى أشلاء".
انهارت أسماء، ونُقلت إلى المستشفى لتلقي العلاج، بينما بقيت حالتها النفسية مثقلة بما حدث.
استنهضت قواها في رحلة معاناة لمعرفة مصير ضياء، واستمرت في السؤال عنه لأشهر حتى علمت أنه معتقل في سجن عسقلان.
تعجز أسماء حاليا عن الحصول على أي معلومة تخص ضياء سواء عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر أو غيرها، لكنها علمت بأنه معتقل إداريا، دون تهمة أو محاكمة، ويجدد اعتقاله كل ستة أشهر.
لم تتوقع أسماء يوما أن تكون فريسة لهذا الفراق القسري. بأسى، تقول: "هدا أصعب اشي بحياتي. كنا بدنا نفرح مع بعض ومضلش فرح. صار للسنة التالتة في السجن".
في بيت والدها، حيث تقيم حاليا، تعصف بها الأفكار والمشاعر. كيف باتت الشقة التي كانت تتحضر لاستقبالها عروسا، أثرا بعد عين. لم يغب الإنسان فقط، بل غاب الحجر والشجر أيضا.
تصف أسماء منطقة سكن خطيبها في حي الزيتون بأنها كومة دمار، تخلو من أي معالم للحياة، بعدما استهدفها الاحتلال في خضم الحرب التي أتت على معظم المباني في القطاع.
"حلمي هو ضياء.."
لا تزال أسماء متشبثة بحلمها الذي رسمت كل تفاصيله مع ضياء، بما في ذلك أسماء أبنائهما في المستقبل. "أنا وياه مستحيل نترك بعض. كنا بنلحق بعض وين ما كان، وبنخطط للفرح، ولما صارت الحرب وعدني نسمي أولادنا عمر ومريم".
بكلمات واثقة، تضيف: "حلمي هو ضياء... لما يطلع من السجن رح أكون سنده، ونرجع نفس الأول، ونبني بيته اللي انقصف. هو هيكون محتاجني كتير".
اقرأ أيضًا: قهوة الحرب.. عبد الله يودّع الحياة بدل العزوبية
ولا تكتفي أسماء بهذا الوفاء لخطيبها، فهي دائمة التواصل مع أهله، لاسيما أمه التي يزج الاحتلال ثلاثة من أبنائها في سجونه. تحاول مدها بالصبر، وتسعى لطمأنتها عن فلذات كبدها.
في الثالث من أبريل/نيسان الجاري، كانت ذكرى ميلاد ضياء الـ27 هي الثالثة التي تستقبلها أسماء على وقع الفراق.
ولا تدري الشابة إن كان ضياء يعلم تواريخ الأيام في سجنه، لكنها أحيت هذه المناسبة، وإن باتت مغلفة بالحزن. تقول: كتبت منشورا في موقع فيسبوك، عن شعوري بالإحباط. كيف نكبر وتمر أعمارنا ونحن لا نحقق حلمنا.
وتتساءل أسماء: هل يتخيل الناس حول العالم وجود أبنائهم أو آبائهم أو إخوانهم في السجون؟ مبدية تخوفها على ضياء في ظل تاريخ حافل للاحتلال من قتل الأسرى، وإقراره مؤخرا ما يسمى قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين.
وتطالب الشابة المكلومة العالم بالتحرك لأجل الأسرى، قائلة: "حرام اللي بيصير معهم"، مجسدة لسان حال ذوي آلاف الأسرى والمعتقلين إداريا في سجون الاحتلال.
وبعد ثلاث سنوات، لا يزال المحبس يلف إصبعها.
ذاك الذي كُتب عليه تاريخ عقد قرانهما: (12 مارس 2023).
لم تخلعه أسماء يومًا، ولن تفعل. تقول بهدوء: "رح أضل أستناه... لو لآخر يوم بعمري".